اصطحبني ابني البِكر إلى عشاءٍ قال إنه لتغيير الجو


إلى الرسالة كاملة، ثم أغلقت الهاتف، ولم أتخذ قرارًا في تلك اللحظة، لأن القرار لم يكن سهلًا، لم يكن مجرد اختيار بين المساعدة أو الرفض، بل كان اختيارًا بين ما أشعر به كأم، وما يجب أن أفعله كإنسانة تعرّضت للخداع، وبين الاثنين كانت هناك مساحة مؤلمة لا يمكن تجاوزها بسهولة.
لم يمر وقت طويل حتى جاء بنفسه، طرق الباب بهدوء، وحين فتحته، رأيت وجهًا مختلفًا عن ذلك الذي تركته في المطعم، لم يكن الڠضب هو ما يملأه، بل التعب، وكأن الأيام القليلة الماضية كانت كفيلة بأن تزيل عنه كل ما كان يتظاهر به من ثقة، طلب الدخول بصوت خاڤت، ولم أرفض، ليس لأنني نسيت، بل لأنني أردت أن أسمع، أن أرى، أن أفهم إلى أي حد وصل الأمر.
جلس أمامي، صامتًا للحظات، كأنه يحاول أن يجد الكلمات، ثم قال إنه لم يعد يملك شيئًا، وأن كل ما كان يعتمد عليه قد انهار، وأن الديون التي ظن أنه يستطيع التعامل معها تضاعفت، وأنه لم يعد قادرًا على الهروب أو التأجيل، لم أعلّق، تركته يتكلم، لأنني كنت أعلم أن ما سيقوله الآن هو الحقيقة التي حاول إخفاءها، لا تلك التي حاول تزيينها.
سألته بهدوء لماذا لم يأتِ من البداية، لماذا اختار الطريق الأصعب، الطريق الذي كاد أن يدمر كل شيء، رفع عينيه نحوي، وكانت إجابته بسيطة، لكنه لم يستطع أن ينظر طويلًا وهو يقول إنه خاف من الرفض، خاف من أن أقول لا، فاختار أن يختصر الطريق، حتى لو كان ذلك على حسابي، لم أرفع صوتي، لم أوبخه، لأنني أدركت أن ما حدث لا يحتاج إلى صړاخ، بل إلى وضوح، إلى جملة واحدة تضع كل شيء في مكانه الصحيح.
قلت له إنني كنت سأساعده لو طلب، ليس لأن المال سهل، بل لأنه ابني، لكن ما فعله جعل الأمر مختلفًا، لأنه لم يطلب، بل حاول أن يأخذ، ولم يخترح أن يواجه، بل قرر أن يخدع، وبين الاثنين فرق لا يمكن تجاهله، صمت طويلًا، ولم يحاول الدفاع عن نفسه، لأن الحقيقة كانت أوضح من أن تُنكر.
سألته عن المبلغ، تردد، ثم أخبرني، كان رقمًا كبيرًا، لكنه لم يكن مستحيلًا، جلست أفكر للحظات، لا في المال، بل في القرار، لأنني كنت أعلم أن أي خطوة سأتخذها الآن لن تكون مجرد حل لمشكلة مالية، بل ستحدد شكل العلاقة بيننا بعد ذلك، وربما إلى الأبد.
رفعت رأسي ونظرت إليه، وقلت له إنني سأدفع.
لم يستوعب الجملة في البداية، ثم تغيّر وجهه فجأة، كأن شيئًا من الأمل عاد إليه، سألني إن كنت جادة، فأجبته بهدوء أنني سأدفع كل ديونه، دون استثناء، لأنني لا أستطيع أن أراه ينهار تمامًا، ولا أستطيع أن أتركه يواجه ذلك وحده،