اتصلت بي أختي من المطار وسألتني إن كان زوجي في المنزل

رنّ هاتفي في وقتٍ لا يتّسق مع عادات أختي، فمجرد ظهور اسمها على الشاشة جعل شيئًا خفيًا ينقبض داخلي.
أجبت، فجاءني صوتها منخفضًا، مترددًا، كأنها تختار كل حرف بحذرٍ شديد سارة هل فهد في المنزل الآن؟ 
فرفعتُ عيني ببطء نحو غرفة المعيشة، حيث كان يجلس في مكانه المعتاد، ظهره مستقيم، يقرأ الصحيفة بصمتٍ ثقيل، وإلى جواره فنجان قهوته الذي لم يلمسه منذ دقائق، كأن الزمن توقّف حوله دون أن ينتبه.
قلتُ بهدوءٍ حاولت أن يبدو طبيعيًا نعم أمامي.
لم تُجب فورًا، لكن صمتها لم يكن عاديًا، كان ممتلئًا بشيءٍ لم أفهمه، حتى قالت أخيرًا بصوتٍ خاڤت أنا في المطار ورأيت فهد.
لم أفهم.
نظرتُ إليه مرةً أخرى، كان هناك واضحًا، ثابتًا، لا يتغير، كأن وجوده أمامي حقيقة لا يمكن الشك فيها.
سألتها ببطء ماذا تقصدين؟
قالت بعد ترددٍ قصير رجل يشبهه تمامًا، لدرجةٍ لا يمكن معها أن تخطئي صعد قبل قليل إلى طائرة متجهة إلى باريس، ومعه امرأة حامل.
لم أشعر بشيء في البداية لا صدمة، لا خوف فقط فراغٌ مفاجئ، كأن عقلي رفض أن يربط بين الصورتين، وكأن الحقيقة قررت أن تتأخر قليلًا قبل أن تصل.
لكنني، دون وعي، بدأت أراقب.
على يده التي تقلّب الصفحة ببطءٍ محسوب، على جلسته التي بدت أكثر صلابة مما اعتدت، وعلى ذلك السكون الذي لم يكن يشبهه.
ثم لاحظتُ شيئًا بسيطًا لكنه لم يمرّ كأي تفصيلة عابرة.
الصحيفة.
لم تكن نسخة اليوم.
كانت قديمة.
وفهد يكره أن يقرأ أخبارًا مضى عليها يوم واحد.
رفعتُ عيني نحوه مجددًا، وفي اللحظة نفسها، طوى الصحيفة ببطء، ثم نظر إليّ، وابتسم ابتسامةً هادئة، لكنها بدت كأنها موضوعة على وجهه، لا خارجة منه.
قال هل كل شيء بخير يا سارة؟
لم تكن الجملة مقلقة بحد ذاتها لكن نبرته، وطريقة خروجه بها، وحتى توقيتها كل ذلك جعل داخلي يضيق دون سبب واضح.
أجبتُ وأنا أشيح بنظري أمي تسأل عن غداء الجمعة.
لم يعلّق.
هزّ رأسه فقط، وعاد ينظر أمامه، وكأن السؤال لا يستحق أكثر من ذلك.
وهذا لم يكن طبيعيًا.
همست أختي بسرعة عبر الهاتف لا تتصرفي بشكلٍ غريب ولا تخبريه أني اتصلت سأحاول التقاط صورة.
أغلقتُ الخط ببطء، بينما شعورٌ ثقيل بدأ يتمدّد داخلي، لا اسم له بعد، لكنه واضح بما يكفي ليمنعني من الاطمئنان.
من كان؟
صوته جاء هادئًا من خلفي.
التفتُّ إليه قليلًا أمي.
نظر إليّ لثوانٍ أطول مما ينبغي لم تكن نظرة قلق، بل كأنها محاولة لقياس شيءٍ لا أراه، ثم قال بهدوء تبدين شاحبة.
ابتسمتُ ابتسامةً باهتة صداع فقط.
صمت لحظة، ثم قال اجلسي قليلًا.
لم تكن دعوة.
كانت أقرب إلى أمرٍ ناعم.
شعرتُ بشيءٍ غير مريح، لكنني تحرّكت نحو الغرفة، وأغلقت الباب خلفي، وفي اللحظة نفسها وصلني إشعار.
صورة.
من أختي.
ترددتُ لثانية ثم فتحتها.
وتوقّف كل شيء.
كان هو.
أو نسخة لا يمكن التفريق بينها.
نفس الملامح نفس الوقفة نفس التفاصيل الصغيرة