أخرجني ابني من شات العائلة وحين سألته عن السبب


سعيد السلسلة مرة أخرى، وقال بحدة
هذا المكان ملكنا أيضًا.
كانت تلك أول مرة تُقال بهذه الصراحة.
ليس نحن عائلة
ولا كلنا واحد
بل ملكنا.
شعرت بشيء بارد وصافٍ ينفتح داخلي.
نظرت إليه وقلت
لا وهذا بالضبط ما لم تفهموه يومًا.
فتحت الدفتر البني على صفحة علّمتها بشريط أزرق.
كان الحاج مصطفى يكتب بخطٍ صغير، واضح
كأن كل رقم عنده له قيمة.
تاريخ شراء الضيعة
مصاريف حفر البئر
تكلفة البوابة الأولى
عدد رؤوس الغنم التي بعناها
الأسواق الأسبوعية التي كنا نذهب إليها
الدَّين الذي احتجنا سبع سنوات لنسدده
كل شيء
حياة كاملة مكتوبة رقمًا رقمًا.
قلت بهدوء
انظروا جيدًا هذا ثمن كل شيء هنا.
لم يكن مستعدًا للاستماع
لكن أحدهم ظل واقفًا، يراقب في صمت.
كل درهم كل تعب كل يوم مرّ علينا دون راحة
كل موسم خاسر وكل مرة بدأنا من جديد.
أطلقت زوجة ابني زفرة ساخرة.
وماذا يثبت هذا كله؟
رفعت عيني إليها، ونظرت مباشرة في وجهها.
ثم قلت
يثبت أنه عندما كنتِ ما زلتِ تتعلمين كيف تضعين مساحيقك كنتُ أنا أعمل مع الحاج مصطفى حتى لا تضيع هذه الأرض.
عقدت سمية ذراعيها، وقالت بنبرة باردة
لا أحد ينكر ذلك نحن فقط نأتي لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، كما نفعل دائمًا.
كما نفعل دائمًا
كرّرتها ببطء.
كانت جملة بسيطة لكنها آلمتني بدقّتها.
كالعادة يدخلون دون استئذان يستخدمون المناشف النظيفة
يتركون الأكواب حيثما انتهوا
يطلبون المربى. يسألون عمّا سنأكله، وكأن الطعام ينبت وحده فوق الرفوف
وكالعادة أنظف ما تركوه
وأشكرهم فقط لأنهم مرّوا لرؤيتي.
حرّك الحاج عبد السلام حلقه كأنه يريد الكلام
لكنه ظل صامتًا.
وجوده بجانبي ثابتًا وفيًا
كان أقوى من أي كلام لم أعد أرى فائدة في قوله.
حاول سعيد أن يلين صوته قليلًا، وكأن النعومة قد تغيّر شيئًا
أمي كفى الآن. افتحي الباب سندخل، نأكل، ونتكلم بهدوء وغدًا، إن أردتِ، نراجع الشات سويًا.
ابتسمت
ابتسامة صغيرة متعبة.
الآن تريدون أن نتكلم.
ركل أحد إخوته حصاة بطرف حذائه،
وقال بحدة
لأنكِ تثيرين مشكلة أمام الناس.
أدرت وجهي نحو الطريق
على بُعد خطوات، كان جارَان يقفان قرب السور، يتظاهران بتفقد أكياس علف الدجاج
لكن أعينهما كانت علينا.
نعم كان هناك من يرى.
ولأول مرة منذ سنوات لم أشعر بالخجل.
قلت بهدوء
دعوهم يرون لعلهم يتعلمون أن الأم تتعب أيضًا.
ثم جاء الباقي كما يحدث دائمًا لكن هذه المرة أسرع.
أولًا السخرية ثم الكلمات الچارحة ثم ذلك الأسلوب القديم
حين يجعلون من يضع حدًا يبدو قاسيًا.
كانت سمية أول من قال
منذ ۏفاة أبي وأنتِ أصبحتِ صعبة التحمل.
وقال أحد إخوتها
تجلسين وحدك كثيرًا وتملئين رأسك بأفكار غريبة.
وأضافت زوجة ابني بنبرة ناعمة تخفي ما تحتها
نحن فقط نحاول جمع العائلة لكن إذا أصررتِ على لعب دور الضحېة
وأكمل سعيد
أمي بصراحة، في مثل سنك لا يجب أن تكبّري الأمور هكذا. هذا يؤذيك.
سمعت كل كلمة
كأنها تأتي من مكان بعيد.
وفجأة
فهمت شيئًا بوضوحٍ مؤلم.
لم يكونوا غاضبين لأنني منعتهم
بل لأنهم، لأول مرة لم يعودوا قادرين على التعامل معي بنفس الطريقة.
اعتادوا أن يدخلوا ويخرجوا من حياتي
كما يفتحون باب بيتٍ يعرفونه جيدًا
حتى أصبح الباب المغلق
خېانة.
فتحت الدفتر مرة أخرى.
بحثت بين الصفحات حتى وصلت إلى صفحة أحدث
كتبتها بيدي بخطٍ متعب لكنه ثابت.
كان ذلك في الشتاء الماضي
قبل أن يرحل الحاج مصطفى.
كلمات قليلة
لكنها كانت اتفاقًا وقرارًا.
رفعت رأسي وسألت
هل تعلمون ماذا يوجد هنا أيضًا؟
لم يُجب أحد.
قلت
ليس مجرد حسابات. بل ذاكرة
والذاكرة تصبح مهمة حين يبدأ الناس في الكذب على أنفسهم.
ضحك سعيد ضحكة خالية من أي دفء
يعني الآن دفتر قديم هو الذي يقرر من يدخل؟
نظرت إليه وقلت بهدوء
لا الذي يقرر هو صاحب المكان لكن الدفتر يذكّركم لماذا.
مررت يدي على غلافه الجلدي.
في السنة التي مرض فيها الحاج مصطفى لم تأتوا إلا مرتين فقط مرتين.
كنتُ وحدي أغيّر له الضمادات وأطعمُه وأستمع لسعاله في الليل
وعندما