وقف في آخر القاعة ببدلة مستعارة… لكن الحقيقة التي كشفها الأستاذ صدمت الجميع!


لكنه، في النهاية، خفّض رأسه قليلًا، تلك الخفّة الصغيرة التي كانت عنده تعني أكثر من كل الكلمات، ووافق.
وكانت تلك الموافقة، في نظر ماتيو، أثقل وزنًا من كل التصفيق الذي سمعه في القاعة صباحًا.
ومضت الأشهر بعد ذلك، وتبدّلت الحياة فعلًا.
صار ماتيو يُدرّس طلابًا يشبهون كثيرًا ذلك الشاب الذي كانه يومًا خائفين، مرتبكين، يشعرون بأنهم لا ينتمون تمامًا. وكان يعاملهم بصبرٍ خاص، كأنه يردّ بعض ما أخذه من العالم على يد رجلٍ لم يعرف الجامعات لكنه عرف كيف يصنع الإنسان.
صارت إلينا تنام بهدوء أكبر. لم تعد تحمل ذلك القلق المتواصل على المستقبل كما كانت تفعل دائمًا. أما هيكتور، فلم ينطفئ بعد التقاعد كما خشي البعض. على العكس، بدا كأنه بدأ نوعًا آخر من البناء.
زرع الطماطم.
بنى قنًّا جديدًا للدجاج.
أصلح مقعدًا في الفناء.
صار يجمع الألواح القديمة ليحوّلها إلى رفوف، ويتعامل مع الوقت الهادئ كما لو أنه مادة جديدة يتعلم تشكيلها. وأحيانًا كان يتصل بماتيو عبر مكالمة فيديو لا لشيء إلا ليُريه محصولًا صغيرًا نجح، أو قطعة خشب أنقذها من الإهمال وصنع منها شيئًا جميلًا.
وفي أحد الأيام، بينما كانا يجلسان معًا في الفناء، سأله ماتيو بصوتٍ خاڤت
هل ندمتَ يومًا؟
على ماذا؟
على كل ما ضحّيتَ به من أجل ابنٍ لا يحمل دمك؟
أطلق هيكتور ضحكةً عميقة خرجت من صدر رجلٍ لم يعد يحمل في داخله حساباتٍ قديمة.
ثم قال
بنيتُ في حياتي جدرانًا كثيرة، وأسقفًا كثيرة، وأسوارًا كثيرة لكن أكثر بناءٍ أفخر به في هذه الدنيا هو ذلك الفتى الذي وجدته يومًا مجروحًا، غاضبًا، ومقتنعًا أنه وحيد.
جلس ماتيو صامتًا بعد ذلك.
شعر أن الجملة دخلت إليه كالڼار الهادئة، ټحرق وتضيء في الوقت نفسه.
وفهم أخيرًا الحقيقة التي ستظلّ حيّةً في داخله ما بقي حيًّا يمكنه أن يحمل لقب دكتور، ويمكن أن يكون اسمه على باب مكتبٍ جامعي، ويمكن أن يصفق له الناس، وأن يذكروا أبحاثه، وأن يحترموا مكانته لكن الرجل العظيم حقًا في هذه القصة لم يكن هو.
بل ذلك العامل الجالس في الخلف.
الرجل الذي لم يطلب لقب الأب يومًا،
ومع ذلك شرّفه كل يوم من عمره حتى صار أحقّ به من أيّ أحد.