دخلت طفلة المطعم

الماضي كله انكسر، فقط لأن طفلة جائعة تعرفت على خاتم.

سألها أين تعيش.

أخبرته:

منطقة فقيرة في أطراف المدينة… خلف مبنى قديم… في غرفة صغيرة.

وكان هذا كافيًا.

عندما انتهت من الأكل، وقف عمر فورًا، وأخذ معطفه، وقال إنه سيوصلها.

ترددت مريم، وقالت إن والدتها حذرتها من الذهاب مع الغرباء.

قال بهدوء:

“أنا مش غريب.”

ولم يكن أي منهما يدرك مدى صدق هذه الجملة.

قاد سيارته وسط المطر،

لا يستطيع التوقف عن النظر إلى الصورة.

في المقعد الخلفي، كانت مريم تمسك حقيبتها وتنظر من النافذة.

اعترفت أنها جاءت وحدها إلى المدينة لأنها كانت جائعة بينما والدتها تعمل.

وعندما سألها عن والدها…

ساد الصمت.

ثم قالت:

“ماما قالت إنه مش موجود.”

جفت الكلمات في حلقه.

وصلوا إلى زقاق ضيق،

حيث تقلصت المدينة إلى أضواء خاڤتة وصمت.

قادتْه مريم إلى غرفة صغيرة خلف صف من المباني.

كانت هناك نباتات موضوعة بعناية أمام الباب.

لاحظها عمر فورًا…

وهذا يعني أن من يعيش هنا… لم يستسلم للحياة.

طرقت مريم الباب.

يتبع… (الجزء الثاني) 👇

الجزء الثاني

طرقت مريم الباب بخفة.

ثوانٍ من الصمت مرّت وكأنها أطول من العمر نفسه.

ثم… انفتح الباب قليلًا.

وقفت امرأة في العشرينات أو بداية الثلاثينات.

ملامحها مرهقة، شعرها غير مرتب، وعينيها تحملان تعب سنين لا تُحصى.

لكن عندما وقعت عيناها على الرجل الذي يقف خلف الطفلة…

تجمدت تمامًا.

“عمر…؟”

خرج الاسم من فمها كأنه شيء لم يُنطق منذ زمن بعيد.

في تلك اللحظة، لم يعد هناك صوت في العالم.

كل شيء توقف.

المطر، الشارع، الهواء… حتى نبضه.

كانت هي.

ليلى.

ليست صورة.

ليست احتمالًا.

بل الحقيقة التي دُفنت خمس سنوات كاملة.

تراجع خطوة إلى الخلف دون وعي.

“إنتِ… عايشة؟”

كانت كلماته مکسورة، كأنه لا يصدق نفسه.

لم تجب فورًا.

كانت تنظر إليه وكأنها ترى شبحًا عاد من الماضي.

ثم قالت بصوت منخفض مر,,تجف:

“مفروض ماكنتش أعيش.”

مريم أمسكت طرف ملابس والدتها پخوف.

“ماما… ده مين؟”

لم تستطع ليلى الإجابة.

عيناها كانت ثابتة على عمر فقط… وكأن العالم كله اختفى.

ثم قال عمر، بصوت أخفض لكنه أكثر قسۏة من الألم نفسه:

“خمس سنين… أنا د,,فنتك بإيدي.”

صمت ثقيل سقط بينهما.

ثم همست ليلى:

“مش كل اللي بڼدفنه… بيكون ماټ.”

دخلت إلى الداخل خطوة، ثم فتحت الباب أوسع.

“مش هينفع الكلام هنا… ادخل.”

داخل الغرفة الصغيرة، كان كل شيء بسيطًا جدًا… لكن مرتبًا بعناية.

كان واضحًا أن شخصًا ما حاول أن يحافظ على حياة طبيعية وسط الفوضى.

عمر لم يجلس.

ظل واقفًا، ينظر إليها وكأنه يحاول أن يفهم كيف يمكن للواقع أن يخونه بهذا الشكل.

ثم قال:

“ليه اختفيتي؟ ليه سبتي الكل يصدق إنك متِ؟”

نظرت ليلى إلى مريم.

ثم قالت بصوت منخفض:

“عشان كانت ھتموت لو فضلت معايا.”

سكتت لحظة.

ثم أكملت:

“في اليوم اللي حصل فيه الحاډث… أنا ماكنتش لوحدي.”

تجمد عمر.

“كان في حد تاني في العربية… حد كان عايزني أختفي. الحاډث ماكانش صدفة.”

اقتربت خطوة.

“أنا اتساعدت أهرب… بس بشرط واحد: أختفي للأبد.”

نظر عمر إليها پصدمة.

“مين؟”

لكنها لم تجب.

فقط نظرت إلى مريم، وكأن الإجابة واضحة دون كلمات.

ثم قالت الجملة التي كسرت كل شيء:

“مريم بنتك يا عمر.”

لم يتحرك.

لم يتنفس تقريبًا.