ټوفيت ابنتي منذ عامين

لم أُجب فورًا. ظلّ الهاتف يهتز فوق طاولة المطبخ، بجوار صورتها تلك الصورة التي كانت تبتسم فيها بعفوية، وشعرها مربوط بشكل مائل، وبقايا شوكولاتة على طرف شفتيها. عامان كاملان منذ أن أصبحت تلك الصورة كل ما تبقّى لي منها.
عندما رأيت رقم المدرسة، انقبض قلبي، لم يتصلوا بي منذ ذلك اليوم، منذ أن تركت ابنتي الدراسة إلى الأبد، جاءني الصوت عبر الهاتف سيدتي، صباح الخير نتصل بكِ بخصوص ابنتكِ، إنها موجودة الآن في مكتب المديرة، ونحتاج حضورك فورًا، ساد الصمت للحظات، ثم بدأت أضحك، ضحكة عصبية كادت تخرج عن السيطرة، وقلت ببرود ابنتي ماټت.
على الطرف الآخر، تردد الصوت قبل أن يقول سيدتي، أتفهم صدمتك، لكن هذا ليس مزاحًا، إنها ترفض العودة إلى الصف وتطلب رؤيتك، بدأت يداي ترتجفان، وهمست بصوت متقطع أنتم مخطئون، لا بد أن هناك شخصًا آخر، لكن الرد جاء حاسمًا لا يا سيدتي، لدينا اسمك ورقمك، وهي مسجلة لدينا وهي هنا الآن.
توقف العالم من حولي، نهضت دون تفكير، التقطت معطفي ومفاتيحي وخرجت دون أن أتأكد حتى من إغلاق الباب خلفي، كل شيء كان ضبابيًا، الشوارع، الناس، إشارات المرور لم أكن أرى شيئًا، فقط جملة واحدة تتردد في رأسي بلا توقف إنها هناك إنها هناك.
عندما وصلت أمام المدرسة، عجزت قدماي عن التقدم، كان كل شيء كما هو، نفس البوابة، نفس صرخات الأطفال، نفس الجدران الباردة، لم يتغير شيء إلا أن ابنتي لم يعد من المفترض أن تكون جزءًا من هذا العالم، وقفت في مكاني عاجزة عن التنفس، حتى تعرّفت عليّ إحدى المشرفات، ورأيت وجهها يشحب وهي تقول بصوت مرتجف سيدتي لقد جئتِ، سألتها فورًا أين هي؟، لكنها لم تجب، واكتفت بالإشارة إليّ أن أتبعها.
بدت كل خطوة وكأنها غير حقيقية، الممر لا يزال تفوح منه رائحة مواد التنظيف، والخزائن مغطاة برسومات الأطفال، وكأنني أسير داخل ذكرى لم أستطع مغادرتها يومًا، وعندما وصلنا أمام مكتب المديرة، توقفت المشرفة وهمست إنها بالداخل، وضعت يدي على المقبض، لكنني لم أجرؤ على فتح الباب، لأنه إن كان ما قيل صحيحًا، فكل ما عشته خلال العامين الماضيين، الدموع والنعش والتعازي، لن يكون له أي معنى، وإن لم يكن صحيحًا، فهذا يعني أنني أفقد عقلي.
فتحت الباب أخيرًا، كانت المديرة تقف خلف مكتبها ووجهها شاحب، وعلى أحد الكراسي جلست طفلة صغيرة تدير ظهرها لي، مجرد هيئة صغيرة لكنها مألوفة بشكل مرعب، كان شعرها وحده كافيًا ليخنق أنفاسي، همست بصوت متكسر استديري، فأدارت الطفلة رأسها ببطء، وفي تلك اللحظة توقف قلبي، كانت هي أو نسخة منها لا يمكن تمييزها.
نفس الملامح، نفس الندبة فوق الحاجب، نفس الطريقة التي تقبض بها يديها عندما تخاف.
ثم همست بصوت خاڤت ماما
انقلب العالم رأسًا