بعد ۏفاة أمّهنّ، ربّيتُ بناتِ أخي الثلاث كأنهنّ بناتي لخمسة عشر عامًا…


كل يوم
وأشعر أنني أقف أمام حطام حياة، أحاول أن أعيد بناءه بيديّ، دون أن أملك الأدوات الكافية.
وفي تلك اللحظة
لم يعد لدي خيار.
إمّا أن أكون لهنّ كل شيء
أو أتركهنّ يضِعن كما ضاع كل شيء قبلهنّ.
في السنوات الأولى من غيابه، كنت أعيش في حالة يقظةٍ دائمة
كأنني أترقّب عودته في أي لحظة.
كنت مقتنعة في أعماقي أن إدريس سيعود
لا بد أن هناك تفسيرًا منطقيًا لكل ما حدث.
ربما كان انهيارًا مؤقتًا
أو محاولة للهرب بحثًا عن عمل
أو عبئًا خفيًا لم يستطع تحمّله قبل أن يواجه بناته.
كنت أخلق له الأعذار واحدة تلو الأخرى.
بل وكنت أحكي للفتيات قصصًا عن حبّه لهنّ، وأحاول أن أحافظ على صورته في أعينهنّ، كأنني أحمي تمثالًا بدأ يتآكل، وأنا وحدي من يرى الشقوق التي تنتشر فيه ببطء.
لكن
الأسابيع مرّت
ثم ذابت داخل شهور
والشهور تصلّبت لتصبح سنوات.
وسنوات طويلة من الصمت.
لم يعد غيابه مجرد فكرة
بل أصبح ثقلًا حقيقيًا يسكن البيت.
كأنه شخص خامس
يجلس معنا على مائدة الطعام،
ويمشي في الممرات،
ويحضر في كل لحظة صمت،
ويذكّرنا دومًا بأن هناك من كان هنا ثم اختفى.
ومع مرور السنوات
اختفت الفروق.
لم يعد هناك فرق بين كوني عمتهم وكوني أمّهم.
الحياة اليومية أذابت كل شيء.
أنا من كنت أوقّع الأوراق المدرسية
وأمسك بشعرهنّ حين يمرضن
وأجلس في الصفوف الأولى في كل عرضٍ مدرسي، أبحث في الوجوه بدلًا منهنّ، حتى لا يشعرن أن أحدًا ينقصهنّ.
أنا من واجه معهنّ خيبات المراهقة
وانكسارات القلوب الأولى
وضغط الاختيارات
وخوف المستقبل.
كنت أنا الثابت الوحيد في حياتهنّ.
ومع الوقت
لم يعدن بنات أخي.
بل أصبحن بناتي
بالطريقة الوحيدة التي تهم حقًا
بالحضور.
بأن تكون موجودًا كل يوم دون أن تختفي.
ثم
في الأسبوع الماضي
عاد الشبح.
طرقةٌ حادة على الباب قطعت ظهيرة ثلاثاء عادية، وعندما فتحته
اختفى الهواء من صدري.
كان إدريس يقف أمامي.
لكن ليس كما أتذكره.
بدت ملامحه وكأن الحياة قد مرّت عليها بأداةٍ قاسېة، كشطت منها الشباب، وتركَت وجهًا متعبًا، خشنًا، وغريبًا بالكاد يمكن التعرّف عليه.
خلفي، في المطبخ
كانت الفتيات يضحكن.
لحظة عادية
خفيفة
بريئة
غير مدركات أن الرجل الواقف على العتبة هو من يحمل دمهنّ.
نظر إليّ إدريس
وكان في عينيه شيء لم أره من قبل
خوف واستسلام
كأنه يتوقّع مني أي رد فعل صړاخ، ضړب، أو حتى طرده.
لكنه لم يقل شيئًا.
اقترب خطوة واحدة فقط
وهمس بصوتٍ خاڤت
مرحبًا يا سارة.
خمسة عشر عامًا من الغياب
خمسة عشر عامًا من الأعياد التي مرّت بدونه
من الكراسي الفارغة
من الأسئلة التي بلا إجابة
وكان هذا كل ما يملكه ليقوله.
وقفتُ أمامه
لا أعرف هل أصرخ أم أبكي أم أغلق الباب في وجهه.
لكنني شعرت بشيء واحد فقط
أن عودته لم تكن نهاية القصة.
بل بدايتها الحقيقية.
لم أسمح له بالدخول. لم أستطع.
بدلًا من ذلك، مدّ يده وأعطاني ظرفًا سميكًا مختومًا بإحكام، ثم قال بصوتٍ متكسّر ليس أمامهن.
خرجتُ إلى الشرفة وأغلقتُ الباب خلفي، وكأنني أعزل الفتيات عن حضورٍ ثقيل يشبه الخطړ، ثم مزّقت الظرف بيدين ترتجفان، محمّلتين بخمسة عشر عامًا من الڠضب
المكبوت.
في
الداخل كانت