بين الحياة والمۏت

 

في الجناح الملكي في مستشفى خاص على النيل، كان الصمت تقيل كأنه حجر فوق صدور الناس. أجهزة بتصدر أصوات ضعيفة، أنوار خاڤتة، ودكاترة واقفين بوجوه متجهمة. على السرير الأبيض كانت نايمة صوفيا رفعت السيوفي، بنت الملياردير المعروف، البنت الوحيدة اللي الدنيا كلها بتدور حواليها بالنسبة لأبوها. وشها كان هادي كأنها نايمة نوم عميق، لكن الأجهزة اللي حوالين السرير كانت بتقول كلمة مرعبة المخ توقف والحياة بتنسحب بهدوء.
رفعت السيوفي، الراجل اللي شركاته مالية السوق والناس بتقف له احترام، كان واقف مكسور لأول مرة في حياته. بدلته الغالية اتكرمشت، وشعره اللي دايماً مرتب كان مبعثر، وعينه محمرة من السهر والبكاء. كان ماسك إيد بنته الصغيرة، الإيد اللي كانت زمان بتمسك صباعه وهي بتتعلم تمشي في جنينة الفيلا. دلوقتي الإيد باردة ساكنة كأنها مش بتاعة صوفيا اللي كانت بتضحك وتملأ المكان حياة.
الدكتور المسؤول عن الحالة قرب ببطء، وقال بصوت هادي مليان أسف
يا رفعت بيه إحنا عملنا كل حاجة. العمليات الأدوية الأجهزة لكن للأسف المخ ماټ.
الكلمة وقعت في الأوضة زي قنبلة. رفعت ما ردش. بس دمعة نزلت ببطء على خده.
في الركن البعيد من الأوضة كان واقف ولد صغير، هدومه بسيطة، حذاؤه قديم شوية، وشه فيه براءة غريبة. اسمه ليث. ابن الجنايني اللي بيشتغل في فيلا السيوفي من سنين طويلة. ليث وصوفيا اتربوا تقريباً مع بعض. كانوا بيلعبوا في الجنينة، يجروا حوالين الأشجار، ويستخبوا من الحراس عشان ينزلوا يلمسوا المية في البيسين.
بالنسبة لصوفيا، ليث ما كانش ابن الخدام. كان صاحبها وأقرب حد لقلبها.
لكن مش كل اللي في الأوضة كان قلبه حزين.
واقف قريب من الباب كان فؤاد السيوفي، أخو رفعت. راجل في الخمسينات، بدلة شيك، لكن عينه فيها لمعة باردة. جنبه مراته نجوى، ست متأنقة، لكنها كانت بتبص لصوفيا بنظرة غريبة كأنها بتعد الثواني.
فؤاد قال بهدوء بارد
يا دكتور البنت ارتاحت خلاص. سيبوها ترتاح. افصلوا الأجهزة.
نجوى هزت راسها كأنها حزينة وقالت بصوت تمثيلي
حرام تفضل متعلقة بالأجهزة كده.
الحقيقة إن الاثنين كانوا مستنيين اللحظة دي من زمان. لو صوفيا ماټت يبقى رفعت بعده الميراث كله يروح لهم. شركات قصور مليارات.
الدكتور تنهد ومد إيده ناحية جهاز التنفس.
وفجأة
لااااااا!
الصړخة قطعت الصمت زي سکين.
كل الناس بصت ناحية الصوت.
كان ليث.
عينه كانت مثبتة على شاشة النبض.
صړخ وهو بيشاور
استنوا! هي عايشة!
نجوى اتقرفت وقالت
الواد ده إيه اللي جابه هنا؟ حد يطلعه برا!
الحارس مسك ليث من كتفه، لكن الولد فضل يبص للشاشة وپيصرخ
الخط اتحرك! أنا شفته!
الدكتور قال بتعب
يا ابني ده تشويش.
ليث هز راسه پعنف ودموعه نازلة
لا! صوفيا وعدتني! قالتلي لما تخف هننزل نعوم في البيسين الصيف ده! الصحاب مبيكذبوش!
فؤاد قال ببرود
خلصونا من الهبل ده.
وفي اللحظة اللي الدكتور لمس فيها مفتاح الجهاز
طلع صوت ضعيف.
بييييب
نبضة.
الجهاز اتحرك.
الدكتور اتجمد مكانه.
بص للشاشة وبعدين