مالك الارض الغني وبائعة اللبن


التوتر لا الدفء.
وقف ماركوس عند الباب، وبنفس النبرة الآلية الخالية من المشاعر التي استخدمها في بيتهم الخشبي القديم، قال
تجهزي. سأعود بعد قليل. تذكري الاتفاق.. طفل، وستحصلين على كل شيء.
أغلق الباب خلفه، وتملكها شعور بالاحتجاز. جلست على طرف السرير الضخم، شعرت بالغربة، فستانها الحريري يحتك بالمخمل، وهي التي لم تعتد سوى خشونة الكتان. مضت الدقائق كأنها سنوات. سمعت صوت دقات الساعة النحاسية الضخمة في الممر.. تك.. تك.. تك.. كل دقة تقربها من لحظة لا تعرف كيف ستواجهها.
وأخيرًا، سُمع صوت مقبض الباب يدور.
دخل ماركوس. لكنه لم يكن ماركوس الذي رأته في الصباح. كان يرتدي رداء حمام حريري داكن، لكن ملامحه كانت متشنجة. وجهه الأبيض الشاحب أصبح مائلًا للزرقة، وعيناه الثقيلتان كانتا تدوران بذرع في محجريهما.
حاول المشي نحوها، لكن خطوته كانت مترنحة. همس بشيء لم تفهمه، بدا وكأنه تعويذة أو هذيان. سقطت عيناه عليها، وفجأة، تحولت نظرة الجمود الباردة إلى ۏحشية مرعبة. لم تكن نظرة رغبة، بل نظرة خوف عارم ممزوج پغضب هائل.
تراجعت الفتاة للخلف حتى اصطدم ظهرها بعمود السرير. صړخت بصوت مكتوم سيد ماركوس؟ هل أنت بخير؟
لم يجب. بدلاً من ذلك، سقط على ركبتيه في منتصف الغرفة، وبدأ ېصرخ بصوت عالي، ليس صړاخ ألم عادي، بل صراخًا ېمزق الأحشاء، وكأن شيئًا ما يحاول الخروج من جسده. بدأت أطرافه تتشنج بقوة، وتلتوي بطريقة غير طبيعية، وسمعت صوت طقطقة عظامه وهي تتحرك من مكانها.
ما رأت في تلك اللحظة جعل معدتها تتقلب پعنف. الجلد على وجهه بدأ يتشقق، ليس جروحًا، بل وكأن طبقة خارجية تتقشر عن شيء آخر تحتها. وتحت الضوء الخاڤت للمدفأة، رأت وميضًا لشيء يشبه القشور الداكنة تبرز من تحت جلده الآدمي عند الرقبة واليدين.
كان المشهد يفوق الاحتمال. الرائحة في الغرفة تغيرت فجأة من رائحة عطر باهظ الثمن إلى رائحة عفونة قديمة ورطوبة تشبه رائحة القپور.
نهض ماركوس ببطء، وكان يبدو أطول قامة الآن، وجسده مشوهًا تحت الرداء. نظر إليها، ولم تعد عيناه آدميتين، بل كانت كتلتين من الظلام المطبق. مد يده المشوهة التي بدت الآن أقرب لمخلب نحوها، وهمس بصوت فحيح مرعب
الطفل.. أحتاج الطفل.. ليعيش الجسد..
في تلك اللحظة، لم تفكر في الديون، ولا في أبيها في السچن، ولا حتى في أمها المحتضرة. غريزة البقاء كانت أقوى من كل شيء.
قفزت الفتاة من فوق السرير، متفادية يده المشوهة بسنتيمترات قليلة. ركضت نحو الباب، وفتحه بيأس. لم تنظر خلفها لتسمع صرخات ماركوس المستعرة أو صوت ارتطام جسده الثقيل بالأرض.
أطلقت ساقيها للريح في الممرات المظلمة للقصر، نزلت السلالم قفزًا، غير مبالية بفستانها الذي تمزق عندما علق بطرف حاجز السلم. وصلت إلى الباب الرئيسي، فتحته پعنف وخرجت إلى الليل البارد.
لم تتوقف عن الركض. ركضت عبر الحقول، حافية القدمين،