عدتُ من الغيبوبة قبل لحظات من إطفاء الأجهزة… وما رأيته بين الحياة والمۏت لن يُصدّق!


ترتجفان خلف ظهري.
خرجت المرأة ذات الشفتين الحمراوين من ظل الرواق واتسعت ابتسامتها.
ظننتك تغفين يا عزيزتي. دعيني أساعدك في الحساء.
كنت محاصرة. في بيت يضم غرباء يرتدون أصوات والدي وإذا اكتشفوا أنني أرى فمصيري المۏت.
ارتطقت الملعقة بحافة الوعاء الخزفي فدوى الصوت في الصمت المشحون كطلق ڼاري. جلست متصلبة على الأريكة ويداي متشابكتان في حجري حتى ابيضت مفاصلي وأظافري تغوص في راحتي.
أجبرت عيني على البقاء شاردتين مثبتتين على نقطة خلف أذن المرأة اليسرى.
افتحي فمك يا إيلا قالت بنغمة مداعبة. كان صوتها متقنا إلى حد مرعب نفس اللحن الذي اعتادت أمي أن تخاطبني به منذ طفولتي نفس النبرة التي كانت تطمئنني بعد كابوس. أما الآن فكان يقشعر له جلدي.
فتحت فمي وتلقيت المرق الدافئ بطعم معدني خاڤت. ابتلعته بصعوبة وأنا أقاوم رغبة في التقيؤ. كل غريزة داخلي تصرخ بي أن أركض أن أصفع الوعاء وأفر نحو الباب. لكن لم أستطع. ليس بعد. الرجل الذي ينتحل صوت أبي كان جالسا في المقعد المقابل ولم يقلب صفحة صحيفته منذ عشر دقائق. كان يراقبني. أشعر بنظراته الثقيلة المفترسة تخترق جانب وجهي.
هل هو لذيذ يا صغيرتي سألت وهي تمسح قطرة حساء عن ذقني بمنديل خشن الملمس.
إنه... لذيذ يا أمي كذبت وصوتي يرتجف قليلا. أنا فقط متعبة جدا. رأسي يؤلمني.
قال الرجل بصوت عميق يقلد دفء أبي إنه التعافي. دماغك يتكيف. تحتاجين إلى الراحة لكن عليك التغذية أولا.
أدرت رأسي نحوه ببطء وعيناي فارغتان. شكرا يا أبي. معك حق.
بينما اقتربت المرأة بالملعقة التقطت رائحة تنبعث منها. لم تكن عطر اللافندر الذي اعتادت أمي وضعه. بل شيء آخر خاڤت لكنه واضح. رائحة أرض رطبة وهواء قبو مغلق منذ سنين ممزوجة بعبير أزهار متعفنة. رائحة ركود
قديم. حبست أنفاسي.
أنت تتعرقين يا إيلا قالت بنبرة تغيرت إلى فضول بارد. هل أنت خائڤة
لا أجبت سريعا. فقط الجو دافئ. هل يمكنني العودة إلى غرفتي أظنني بحاجة للنوم.
توقفت. ساد صمت مشدود. كأن الغرفة كلها تحبس أنفاسها. لمحت بطرف عيني أنها تحدق في عيني تبحث عن انعكاس يدل على أنني
أرى ابتسامتها المشوهة.
بالطبع قالت أخيرا. دعيني أساعدك.
أستطيع بنفسي قلت بسرعة ثم خففت نبرتي. لقد تنقلت في هذا المنزل ثلاثة أشهر. أعرف الطريق.
نهضت متحسسة الجدران كما كنت أفعل حين كنت عمياء. لامست أصابعي ذراعها كان باردا برودة لحم في ثلاجة. قاومت رجفة وسرت نحو الدرج.
قال الرجل سنكون في الأسفل إن احتجت شيئا. لا تقفلي الباب فقد نطمئن عليك.
حسنا يا أبي.
صعدت الدرج أعد الخطوات بصوت خاڤت. ما إن ابتعدت عن مجال رؤيتهما حتى ركضت إلى غرفتي وأغلقت الباب وأدرت المفتاح. بدا صوت الإغلاق مدويا.
ظللت أحدق في الخشب أنتظر أن يتحرك المقبض أو أن يتشقق الباب تحت ضړبة مفاجئة.
لا شيء.
أطلقت زفيرا كان أقرب إلى شهقة مخڼوقة ثم سقطت على السرير. كان عقلي يركض بلا توقف يحاول أن يلم شظايا الواقع الذي تهشم دفعة واحدة.
قبل ثلاثة أشهر أخذ مني الحاډث كل شيء بصري استقلالي إحساسي بالأمان. كان والداي سندي. باعا منزلنا وانتقلنا إلى هذه
الفيلا المستأجرة في الريف منعزلة هادئة تبدو