طُردت من بيتها بكيسٍ في يدها… وبعد عام عاد ابنها ليطلب مقعدًا على طاولتها!

في ذلك الصباح الذي أُغلِق فيه الباب في وجهي، كان عبير القهوة الطازجة لا يزال يملأ أرجاء المنزل. منزلي أو هكذا كان طوال أكثر من ثلاثين عامًا.
قالت كنّتي من دون أن تنظر إليّ
لم يعد بإمكانك البقاء هنا. نحن بحاجة إلى المساحة. ثم إنك أنتِ من قلتِ إنك لا تريدين أن تكوني عبئًا.
كان ابني يقف خلفها. لم يقل شيئًا. ولا كلمة واحدة. لم يستطع حتى أن يثبت نظره في عينيّ.
لم أجب. في سنٍّ معيّنة، تتعلّم المرأة أن هناك أنواعًا من الصمت أشد إيلامًا من الصړاخ.
وضعت ملابسي في كيسٍ من أكياس السوق. ليس في حقيبة سفر. في كيس. لأن هذا، على ما يبدو، كان قدر ما تساويه سنوات وجودي في حياتهم.
خرجت من دون أن أثير ضجّة.
ومع أن أحدًا لم يحاول منعي، شعرت بأن شيئًا في داخلي ينكسر مع كل خطوة كنت أخطوها نحو الشارع.
في البداية لم أكن أعلم إلى أين أذهب.
أعارتني إحدى الجارات غرفة لبضعة أيام، لكنني لم أرد أن أعيش على الشفقة. لقد عملت طوال حياتي. وكنت دائمًا أجد الحلول. ولم أكن لأبدأ بالاستسلام في اللحظة التي كنت فيها أحوج ما أكون إلى نفسي.
بما تبقّى لدي من مدخرات قليلة، اشتريت سلة وبعض أكياس الحلوى والعلكة والفول السوداني وزجاجات الماء.
وهكذا بدأت.
أبيع في الشارع.
في الأيام الأولى، كنت أشعر بالخجل. ليس من العمل بل من الذكرى الدائمة للطريقة التي وصلت بها إلى هناك.
كنت أقف عند زاوية قريبة من إشارة المرور. كانت الشمس ټحرق ظهري عند الظهيرة، وفي الليل كان البرد يتسلل إلى العظام. كان الناس يمرّون؛ بعضهم يشتري، وبعضهم لا. بعضهم يبتسم، وبعضهم لا يراني أصلًا.
وشيئًا فشيئًا بدأ الشارع يعلّمني أمورًا كانت العائلة قد نسيتها.
أول من حدّثني كان شابًا يعمل في التوصيل.
قال
يا خالة، هل تناولتِ طعامك؟
تفاجأت. لم يسألني أحد هذا السؤال منذ أسابيع.
قلت كاذبة
نعم يا بني، لا تقلق.
في اليوم التالي عاد ومعه طعام ساخن وشراب دافئ.
وقال
سواء اشتريتُ أم لم أشترِ، يجب أن تتناولي فطورك.
لم أكن أعرفه. لم يكن بيننا أي التزام. ومع ذلك كان حاضرًا.
ثم جاءت لوبيتا، المرأة التي تبيع الفطائر في الزاوية.
قالت لي
قفي هنا بجانبي، حتى لا تكوني وحدك. وإذا أزعجك أحد، فنحن نساعد بعضنا بعضًا.
نحن.
بدت لي الكلمة غريبة. لم أعد أذكر معناها.
تحوّلت الأيام إلى أسابيع.
تعلّمت أن أنادي ماء بارد! بالحماسة نفسها التي ينادي بها الباعة الآخرون. تعلّمت أن أضحك عندما لا تكون هناك مبيعات. تعلّمت أن أقبل فنجان قهوة مشتركًا وكأنه وليمة.
لم يسألني أحد لماذا أنا هناك.
لم يحاكمني أحد.
فقط أفسحوا لي مكانًا بينهم.
ذات مساء، هطلت أمطار مفاجئة. أمطار غزيرة، من تلك التي تبدو وكأنها تريد أن تمحو كل شيء.
بدأت بضاعتي تبتل، وكنت أحاول تغطية السلة بكيس بلا جدوى.
فجأة نزل أحد سائقي الأجرة