أعطته آخر ما تملك تحت المطر… وبعد أسبوع امتلأ شارعها بسيارات فاخرة!


فهمت شيئا واحدا حياتها كما عرفتها توشك أن تتغير.
هزت رأسها والدموع تنحدر على خديها المجعدين.
لم أساعدك لأجل هذا همست.
أمسك بيديها ودفء كفيه يعيد إلى ذاكرتها تلك الليلة الباردة.
أعلم. ولهذا أنت تستحقين ذلك. لو كنت ساعدتني طمعا لما كنت اليوم هنا. لكنك أعطيت آخر ما لديك من دون أن تسألي.
بقيت صامتة لحظات طويلة.
كانت تفكر في غرفتها الصغيرة.
في السرير المعدني الذي يصر كلما تحركت.
في الموقد الذي كانت تخاف أن ينفجر يوما.
في الليالي التي كانت تسمع فيها المطر يخترق سقف الصفيح.
ثم فكرت في ابنها.
في الفراغ الذي تركه.
في الشعور الدائم بأنها وحيدة في هذا العالم.
رفعت رأسها أخيرا.
إن كان ما تفعله من قلبك فلن أرفض.
ابتسم هيكتور ابتسامة لم يرها أحد من موظفيه يوما.
كانت ابتسامة رجل تعلم درسا لا يدرس في الجامعات.
بعد أسابيع انتقلت دونيا كارمن إلى بيت صغير مضيء في حي هادئ.
لم يكن قصرا ولم تطلب أن يكون كذلك.
كان بيتا بطابق واحد له نافذتان واسعتان تدخل منهما الشمس وحديقة صغيرة تزرع فيها الريحان والنعناع.
في الأيام الأولى كانت تستيقظ فزعة كأنها ضيفة في بيت ليس لها.
كانت تمشي على أطراف أصابعها تخشى أن تترك أثرا.
تفتح الخزانة فتجد ملابس جديدة.
تفتح الثلاجة فتجد طعاما كافيا لأيام.
كانت تنظر إلى المرآة وتهمس لنفسها
هل هذا حقا لي
لكن شيئا في داخلها لم يتغير.
في الصباح التالي لوصولها استيقظت قبل الفجر كما اعتادت دائما.
ارتدت مئزرها القديم رغم أن لديها غيره وذهبت إلى المطبخ.
عجنت الدقيق بيديها اللتين لم تعرفا الراحة.
أشعلت الفرن.
وانبعثت رائحة الخبز الطازج في البيت الجديد.
حين جاء السائق الذي أرسله هيكتور ليقلها إلى السوق إن شاءت وجدها تحمل سلة مملوءة بالأرغفة.
إلى أين يا سيدتي سأل مترددا.
ابتسمت.
إلى السوق هناك من ينتظر.
لم تعد تبيع الخبز لتعيش.
كانت توزعه.
كانت تذهب إلى الزوايا نفسها التي اعتادت الوقوف فيها.
تبحث بعينيها عن من يجلسون تحت المظلات على الأرصفة عند أبواب المتاجر المغلقة.
تمد إليهم رغيفا وكلمة دافئة.
خذ البرد لا يرحم.
بعضهم كان ينظر إليها بعدم تصديق.
امرأة مسنة بملابس نظيفة تبتسم كما لو أنها لا تعرف معنى الفقد.
لكنها كانت تعرف.
تعرف أكثر مما يظنون.
كانت تعرف معنى أن يبيت الإنسان وفي صدره خوف لا يراه أحد.
تعرف معنى أن تطرق بابا ولا يفتح.
تعرف معنى أن تنام جائعة لا لأن الطعام غير موجود في العالم بل لأن نصيبك منه ضئيل.
كانت تعرف أن الجوع لا يقتصر على المعدة.
هناك جوع إلى الكلمة الطيبة.
جوع إلى أن يعاملك أحد كإنسان.
جوع إلى أن يقول لك شخص ما أراك.
أما هيكتور فقد عاد إلى شركته كما وعد.
عاد إلى الطابق الأربعين إلى المكتب الواسع الذي يحيط به الزجاج من كل جانب حيث تمتد المدينة تحت قدميه كخريطة صامتة من الإسفلت والضوء.
جلس على كرسيه الجلدي وأمامه شاشة تعرض أرقام الأرباح ومشاريع التوسع