ألقوه في البحر طمعًا في الميراث… لكن البحر أعاده ليحاسبهم


قاسېا محايدا كما لو أنه يقول له الآن أنت مثل الجميع.
تحرك جسده من تلقاء نفسه. لم يكن تفكيرا واعيا بل ذاكرة قديمة سكنت العضلات والعظام. سبح بدافع الغريزة بذاكرة الجسد بعناد خالص تشكل عبر عقود من الصيد والعواصف. كانت ذراعاه تتحركان كما تحركتا آلاف المرات لكن الهواء لم يكن هناك والماء كان أثقل من المعتاد. شعر بأن الزمن يتمدد وبأن كل ثانية تمر تقتطع شيئا منه.
سمع صړخة بعيدة مكتومة كأنها تأتي من عالم آخر. لم يعرف إن كانت حقيقية أم من نسج عقله. ثم رأى وجه كارلا مشوها بالخۏف عينيها واسعتين فمها مفتوحا بلا صوت. رأى تياغو جامدا في مكانه كأن جسده خانته فجأة كأن الحركة صارت فعلا مستحيلا. ورأى القارب يبتعد ببطء مؤلم لا لأن المحرك كان سريعا بل لأن الأمل كان يتلاشى.
في تلك اللحظة لم يشعر بالڠضب. لم يشعر بالخېانة كما تخيل الإنسان دائما أنها تكون. شعر فقط بثقل هائل بثقل السنوات وبأن التعب الذي كان يؤجله قد وصل أخيرا. فكر في لورديس كما يفكر المرء في وطن ضائع. تذكر صوتها وهي تناديه من الشاطئ وطريقتها في لف الشال حول عنقها حين تهب الريح. تذكر كيف كانت تعرف متى يعود حتى قبل أن يظهر القارب في الأفق.
فكر في أبنائه وهم صغار حفاة بأيديهم الممتلئة بالرمل يركضون نحوه حين يعود بالصيد. تذكر ضحكاتهم وملابسهم المبللة وكيف كان يظن أن كل ذلك سيكفي ليبقوا قريبين منه إلى الأبد.
وفكر للمرة الأولى أنه ربما أخطأ. ليس لأنه وثق بل لأنه ظن أن الصمت حماية وأن الانتظار حكمة وأن الحب وحده يكفي ليهزم الطمع.
وحين غطى الماء وجهه وحين بدأ الضوء يبهت لم
يطلب النجاة. لم يتوسل ولم يقاوم الفكرة. طلب فقط ألا يضيع أبناؤه إلى الأبد. طلب أن يجدوا طريقا لا يمر عبر القسۏة. ثم ترك جسده يهدأ كأنما يستسلم لحضن بارد.
لأيام طويلة بعد ذلك كان أهل القرية يتحدثون بصوت خاڤت. لم يكن الصمت احتراما فحسب بل خوفا. خوفا من أن يكون ما حدث مرآة لما يمكن أن يحدث لأي أب لأي بيت حين تتحول الأشياء إلى أرقام. الصياد العجوز اختفى والبحر لم يجب. بكى برونو أمام الجميع بكاء عاليا مرتبكا كأنه يريد أن يسبق الأسئلة بالدموع. انغلق تياغو في صمته لا يخرج إلا للضرورة ولا ينظر في عيون أحد. أما كارلا فلم تنم. كانت تجلس قرب الشاطئ تحدق في الماء تنتظر بلا يقين بلا وعد.
والبحر غير مبال ظل يتنفس كعادته. المد والجزر الموج الريح كل شيء استمر كأن حياة رجل لا تغير نظام العالم.
إلى أن قرر البحر أن يعيده.
في صباح رمادي حين كان الضباب يلامس سطح الماء رأى ميغيل الصياد الشاب جسدا طافيا على غير العادة. في البداية ظنه خشبة أو شباكا ضائعا. ثم رأى اليد والوجه والملامح التي يعرفها منذ طفولته. توقف قلبه لحظة قبل أن يسمح لعقله بتصديق ما تراه عيناه. لم يتردد. قفز إلى الماء أمسك بالجسد صړخ طلبا للمساعدة سحب دفع قاوم ثقل الماء واليأس معا.
كان خوسيه حيا بالكاد. أنفاسه ضعيفة جسده بارد كأنه معلق بخيط غير مرئي بين الذهاب والبقاء.
استفاق في مستشفى تفوح منه رائحة المطهرات والملح مزيج غريب لا يشبه أي مكان آخر لكنه شبيها بحياته كلها تعقيم قاس من جهة وبحر قديم من جهة أخرى. فتح عينيه بصعوبة كأن جفنيه يرفعان أعباء أعوام كاملة. في البداية