احتقروا أخاهم الفلّاح… فصدمهم عندما كشف الحقيقة أمام الجميع


وترتدوا الأحذية وتعملوا معي في الحقل شهرا كاملا.
لا امتيازات لا ألقاب لا رفاهية فقط عائلة وعرق وأرض.
ساد صمت أطول من السابق صمت لم يكن فراغا بل كان ثقلا خانقا.
لم يجرؤ أحد على الكلام وكأن الكلمات فقدت قيمتها فجأة.
نظر كل واحد منهم إلى مفاتيح سيارته الموضوعة في كفه تلك المفاتيح التي كانت قبل ساعات رمزا للنجاح والتفوق فإذا بها الآن تبدو عبئا ثقيلا شاهدة على غرور أعمى وأخطاء مؤلمة.
كانت الطاولة الخشبية القديمة في وسط الغرفة متآكلة الأطراف شاهدة على سنوات طويلة من التعب والانتظار.
اقترب ريكي أولا تردد للحظة ثم وضع مفاتيحه ببطء وكأنه يضع جزءا من ماضيه.
تبعته شيلا ويداها ترتجفان ثم بن الذي أسقط مفاتيحه بصوت خاڤت كأن الصوت نفسه اعتراف.
واحدا تلو الآخر تراكمت المفاتيح فوق الخشب العتيق واختفى بريق المعدن أمام ثقل اللحظة.
انهار ريكي باكيا.
لم تكن دموعه دموع ضعف بل دموع انكسار غرور طال أمده.
قال بصوت مخڼوق وهو يحدق في الأرض
لا أريد الملايين لا أريد شركات ولا مناصب.
أريد أخي الأخ الذي خسرته حين ظننت أن النجاح يجعلني أفضل منه.
مدت شيلا يدها تمسح دموعها لكن صوتها خرج مرتجفا صادقا لأول مرة منذ سنوات
علمني كيف أزرع علمني كيف أبدأ من جديد بلا ألقاب بلا أقنعة.
أريد أن أتعلم كيف تثمر الأرض لا كيف يصفق الناس.
أما بن فقد ظل صامتا طويلا ثم رفع رأسه بصعوبة وقال بصوت متهدج
العائلة أغلى من المال وأغلى من أي لقب أو منصب.
ما قيمة الأرقام إن فقدنا بعضنا
بدأ الشهر التالي مختلفا عن كل ما عرفوه.
مر شهر كامل لكنه بدا كأنه عمر آخر.
شهر من شمس حاړقة لا ترحم تستقبلهم مع أول الفجر
ومن طين يلتصق بالأقدام والملابس
ومن عمل متواصل لا يعرف ساعات الدوام ولا عطلات نهاية الأسبوع.
انحنت ظهورهم تحت ثقل السلال
وتشققت أيديهم حتى سال منها الډم
وتقرحت أقدامهم
وسقطت الأقنعة واحدا تلو الآخر.
تعلموا الصبر حين لا خيار سوى الاستمرار حين لا ينفع التذمر ولا يفيد الهروب وحين يصبح الصبر فعلا يوميا لا شعارا يقال.
وتعلموا معنى التعب الشريف ذلك التعب الذي ينهك الجسد لكنه يترك الروح مستقيمة مطمئنة لا يثقلها ذنب ولا يطاردها شعور زائف بالتفوق.
وتعلموا أن النوم على جسد متعب تفوح منه رائحة العرق والتراب أصدق وأعمق راحة من النوم على وسادة ناعمة محشوة بالأوهام والمظاهر.
شيئا فشيئا تغيرت نظراتهم إلى أنفسهم وإلى العالم من حولهم.
لم يعودوا ينظرون إلى الأرض باعتبارها عارا يخفى بل مصدر حياة يفتخر به.
لم يعودوا يرون الطين كشيء يغسل بسرعة بل كعلامة شرف على من عمل وكافح.
ولم يعودوا ينظرون إلى الفلاحين كطبقة أدنى بل كعمود صامت يحمل الجميع دون أن يطلب تصفيقا أو اعترافا.
بدأوا يفهمون أن المدن لا تقوم وحدها
وأن المستشفيات لا تبنى من فراغ
وأن الجامعات لا تقف إلا على أكتاف