جاء ليوبّخ موظفة على غيابها… فاكتشف خطأ عمره كلّه


بعد. كنت أنتظر اللحظة المناسبة لأقول لك الحقيقة لكن الخۏف كان يسبقني دائما. خفت أن تأخذوا الطفل مني أو أن يلقى في مؤسسة أو أن يمحى من الوجود كما محيت أمه. كنت خائڤة من عالمكم أكثر مما كنت خائڤة من فقري.
مسحت دموعها بظهر كفها وأضافت بصوت منكسر كمن يقر بذنب لم يرتكبه لكنه يحمله كل يوم
تلك الطوارئ لم تكن كڈبا. لم أختلق شيئا. كانت لأنه يعاني من المړض نفسه الذي عانت منه صوفيا. نوبات مفاجئة تأتي بلا إنذار وحمى لا تهدأ مهما حاولت وأدوية أثمانها تفوق قدرتي بأضعاف. كنت أعد الأيام وأعد الحبوب وأعد النقود القليلة التي أملكها ولم أملك يوما المال الكافي للعلاج يا سيدي. لكننيوأخفضت رأسهالم أملك قلبا يتركه يتألم وحده.
ساد صمت ثقيل صمت لا يشبه الفراغ بل يشبه الامتلاء المفاجئ بالحقيقة.
في ذلك الصمت انكسر شيء في روبرتو ميندوزا.
روبرتوالرجل الذي لم ينحن يوما لصفقة ولم يتراجع في معركة ولم يسمح للعاطفة أن تتسلل إلى حساباته الدقيقةجلس على الأرض إلى جانب الفراش.
جلس بلا تفكير بلا حساب بلا اعتبار لبدلته الباهظة أو للأرض الباردة التي لامست ركبتيه.
جلس كإنسان قبل أن يكون رجل أعمال كعم قبل أن يكون مديرا وكقلب قبل أن يكون اسما لامعا في الصحف.
مد يده ببطء كأنه يخشى أن يوقظ الألم وأمسك باليد الصغيرة.
كانت دافئة أكثر مما توقع هشة أكثر مما يحتمل وكأنها تختصر عمرا كاملا في قبضة واحدة.
وفي تلك اللحظة شعر بشيء لم يشعر به من قبل رابطة صامتة عميقة لا تحتاج إلى كلمات ولا إلى توقيع. رابطة لا يمكن لأي حساب مصرفي ولا لأي برج زجاجي شاهق أن يخلقها أو يشتريها.
تسلل غروره من جسده كما يتسرب ماء عكر من إناء مثقوب ببطء مؤلم قطرة بعد أخرى.
لم يحدث الاڼهيار دفعة واحدة بل جاء ككشف تدريجي لحقيقة ظل يهرب منها أعواما طويلة.
سقطت الصور التي رسمها لنفسه عبر السنينصورة الرجل الذي لا يهزم الذي لا يخطئ الذي لا يحتاج أحدا الذي يظن أن السيطرة تعني القوة وأن المال يعوض كل نقص.
تبعثرت الألقاب التي التصقت باسمه وتلاشت الأرقام التي كان يفاخر بها وخفتت أصوات المديح التي اعتاد أن تخدره عن رؤية الفراغ في داخله.
لم يبق سوى رجل عار من الامتيازات يرى خطأ عمره ممددا أمامه في جسد طفل صغير طفل لم يطلب أن يولد في هذا العالم ولم يختر أن يدفع ثمن قرارات لم يتخذها هو بل ثمن صمت شارك فيه الجميع صمت طويل اختبأت خلفه العائلة واختبأ خلفه هو أكثر من غيره.
في ذلك المساء لم تعد سيارة المرسيدسبنز السوداء وحدها إلى الحي الثري.
لم تعد تحمل رجلا غاضبا جاء ليحاسب موظفة على غيابها أو مديرا يتهيأ لإلقاء محاضرة عن الانضباط والمسؤولية.
في المقعد الخلفي وبأمر مباشر من روبرتو جلست ماريا إلينا وهي تضم الطفل دييغو إلى صدرها تحاول أن تحميه من عالم لم يكن رحيما به يوما.
كانت عيناها معلقتين بالطريق كأنها تخشى أن يختفي هذا القرار إن أغمضتهما لحظة وكان قلبها يتأرجح بين الخۏف من المجهول والرجاء في أن يكون هذا التحول حقيقيا لا مجرد انفعال عابر.
المدينة مرت من حولهم كأنها شاهد صامت على ميلاد قرار لا رجعة فيه.
أضواء الشوارع الواجهات الزجاجية الوجوه العابرةكلها بدت بعيدة كأنها تنتمي لحياة أخرى.
كان الطريق صامتا.
لا موسيقى لا أحاديث لا أوامر تلقى من المقعد الأمامي.
روبرتو لم يتكلم لأنه للمرة الأولى لم يكن يملك إجابة
جاهزة ولم