الهيكل العظمي


غير معلنة متجنبا ذكر الأسماء وكلما حاول رولدان التعمق هرب إلى العموميات.
لكن في لحظة عابرة بالكاد تلاحظ انكسر صوته حين ذكر المدعي المنزل الذي عثر فيه على الچثة.
كان ذلك المنزل في عام 1976 مملوكا لرجل يدعى إرنستو ليديسما اسم لم يثر الانتباه حينها ولم يربط بالقضية في بداياتها على الإطلاق.
لم يظهر اسم ليديسما كمشتبه به في الملف الأصلي بل ورد عرضا في شهادة ثانوية باعتباره جارا للمنطقة دون أي إشارة تجعله موضع اهتمام خاص.
كان ليديسما موظفا بلديا مسؤولا عن أعمال الصيانة رجلا منعزلا بلا عائلة قريبة معروفا بطبعه الكتوم وتوفي عام 1998 رسميا لأسباب طبيعية.
طلب رولدان مراجعة كل ما يتعلق بليديسما وهناك عثر على تفصيلة لافتة إذ كان قد طلب إجازة من العمل لمدة أسبوع بعد اختفاء مارينا مباشرة.
لم يكن هناك أي تفسير مسجل لتلك الإجازة ولم يعتبرها أحد أمرا مهما في ذلك الوقت فمرت كغيرها من التفاصيل التي أهملت مبكرا.
عندما بدأ المحققون التحدث مع جيران قدامى ظهرت ذكريات غير مريحة تعليقات لم تتحول يوما إلى بلاغات ونظرات مريبة وحاډثة شجار قديم مع مراهقة.
لم يكن أي شيء منها حاسما بمفرده لكنه مجتمعا رسم صورة مقلقة توحي بأن ما جرى لم يكن بريئا كما افترض الجميع لسنوات طويلة.
استدعيت لوسيا مرة أخرى لكن هذه المرة كان النهج مختلفا لم يطلب منها تكرار ما حدث فحسب بل الحديث عن الجو العام والرجال والتحذيرات المتداولة.
سئلت عن الأحاديث التي كانت تتبادلها الفتيات تلك التحذيرات التي لم يكن أحد يأخذها على محمل الجد فترددت لوسيا وعضت شفتها ثم تكلمت.
قالت إن مارينا ذكرت لها قبل أسابيع من اختفائها رجلا كان يراقبها أثناء عودتها من المدرسة لا تعرف اسمه فقط يسكن قرب منزل قديم.
وصفت أنه كان دائم الانشغال بإصلاح الأشياء يبدو لطيفا لكنه ملح ولم تعط لوسيا الأمر أهمية حينها كما لم تفعل أي منهما.
كانتا في الرابعة عشرة من العمر معتادتين على اعتبار تلك التصرفات جزءا طبيعيا من الحياة اليومية شيئا يتجاهل لأنه شائع أكثر من اللازم.
غير ذلك الشهادة مسار التحقيق بالكامل.
ورغم أن إرنستو ليديسما كان قد ټوفي لم يغلق الملف فالقضية لم تكن بحثا عن مدان حي بل عن حقيقة كاملة ومسؤوليات واضحة.
كان الهدف فهم كيف يمكن لمراهقة أن تختفي في وضح النهار دون أن يتدخل أحد وكيف ساهم الصمت والتجاهل في حدوث ذلك.
أعيد فحص المنزل مرة أخرى وكشفت تعديلات إنشائية لم تكن موجودة في المخططات الأصلية أهمها الجدار الزائف في القبو.
تبين أن الجدار شيد بعد عام 1976 بقليل وبمواد تعود لتلك الحقبة ما أكد أنه لم يكن حاډثا بل قرارا متعمدا لإخفاء شيء.
تابعت كارمن كل تطور بمزيج من الألم والارتياح فالمعرفة لم تخفف الۏجع لكنها أعادت لها يقينا كانت قد فقدته.
يقين أن مارينا كانت مهمة وأن قصتها لن تختزل في سطر هامشي أو تنسى مع مرور الوقت.
في البلدة تنوعت ردود الأفعال فالبعض طالب بعدالة رمزية وآخرون فضلوا ډفن الماضي مجددا بينما دافع بعضهم عن ذكرى ليديسما.
كان رولدان واضحا في المؤتمر الصحفي مؤكدا أن الأمر لا يتعلق بالاڼتقام بل بإظهار الحقيقة التاريخية كاملة دون مواربة.
نظمت مسيرة صامتة شموع صور وأسماء ليس فقط من أجل مارينا بل من أجل غيابات أخرى لم تحقق يوما بجدية.
كانت تلك أول مرة تنظر فيها سان فيثينتي ديل سور إلى نفسها دون أقنعة أو تبريرات.
في إحدى المقابلات الأخيرة سأل رولدان كارمن عما
تنتظره الآن ففكرت للحظات قبل أن تجيب بهدوء شديد.
لم تتحدث عن عقاپ ولا عن غفران بل قالت شيئا أبسط وأصعب ألا يقول أحد مرة أخرى إن فتاة هربت فقط لأن ذلك أسهل.
خلص التقرير النهائي إلى أن مارينا سانتوس كانت ضحېة چريمة قتل ارتكبها إرنستو ليديسما بأدلة ظرفية قوية دون إمكانية لمحاكمة جنائية.
وأشار التقرير كذلك إلى إخفاقات جسيمة في التحقيق الأصلي وأوصى بمراجعة الإجراءات المتبعة في قضايا اختفاء القاصرين.
وعندما أغلقت القضية رسميا حملت كارمن حقيبة مارينا إلى المقپرة لم تدفنها بل وضعتها بجوار شاهدة قبر جديدة.
نقش عليها الاسم الكامل والتواريخ التي غابت طويلا وبقيت كارمن هناك وقتا طويلا في صمت كامل.
كان الجدار قد سقط. ليس فقط جدار القبو بل جدران أخرى غير مرئية تلك التي تبنى بالخۏف وباللامبالاة وبالراحة الزائفة في عدم طرح الأسئلة.
ورغم أن الحقيقة وصلت متأخرة فإنها وصلت وأحيانا يكون ذلك هو كل ما يتبقى للبدء في الترميم.
لم يجلب الإغلاق الرسمي لقضية مارينا سانتوس الراحة التي كان كثيرون ينتظرونها بل على العكس فتح شقا عميقا في سان فيثينتي ديل سور.
لأسابيع طويلة عاشت البلدة حالة غريبة كأن الزمن توقف بين الماضي والحاضر أغلقت النوافذ مبكرا وانقطعت الأحاديث عند اقتراب أي شخص.
بدأت الأسماء تثقل على الألسنة وصار مجرد ذكرها يثير توترا غير معلن في الشوارع والمقاهي والبيوت.
كان المدعي رولدان يدرك أن التقرير النهائي لم يكن نقطة نهاية بل خطا فاصلا ولهذا قرر البقاء أياما إضافية.
كان هناك شيء لا يستقيم تماما فالقضية بدت واضحة في جوهرها لكن هوامشها ظلت ضبابية وفي تلك الهوامش شعر بوجود قصص أخرى.
طلب الاطلاع على ملفات المفقودين بين عامي 1975 و في المقاطعة ليس القاصرين فقط بل البالغين أيضا.
كانت القائمة أطول مما يتذكره الناس قضايا أغلقت كهروب طوعي أو حوادث بلا چثث أو بلاغات سحبت سريعا.
أنماط متكررة صمت مستمر وقرارات سريعة لإغلاق ملفات غير مريحة.
لفت اسم واحد انتباهه إلينا فارغاس سبعة عشر عاما اختفت عام 1978 وملفها لم يتجاوز صفحة ونصف.
آخر مرة شوهدت فيها كانت خارجة من عملها في مخبز بوسط البلدة وأغلقت القضية خلال أقل من شهر.
لا چثة لا مشتبهين ولا متابعة.
طلب رولدان مقابلة عائلة فارغاس فعثر على الأخت الكبرى آنا التي ما زالت تعيش في البلدة.
عندما قدم المدعي نفسه نظرت إليه آنا بمزيج من الشك والأمل فقد مرت عقود دون أن يسأل أحد عن إلينا.
روت آنا أن أختها ذكرت مرارا رجلا كان يتبعها عند خروجها من العمل لم تكن تعرف اسمه فقط أنه أكبر سنا.
قالت إنه كان يرتدي دائما ملابس العمل ويبدو كأنه يعرف الجميع وعندما أبلغت آنا الشرطة قيل لها إنها تبالغ.
قالوا إن أختها تريد مغادرة البلدة ونصحوها بعدم إثارة المشكلات.
لم يحتج رولدان إلى مزيد من الأسئلة ليدرك النمط المتكرر.
في الوقت نفسه بدأت كارمن تتلقى رسائل بعضها داعم وبعضها مجهول مليء باللوم والاټهامات.
اتهموها بنبش الماضي وتشويه الأسماء وكسر سلام استغرق بناؤه سنوات طويلة.
قرأت كارمن كل الرسائل ولم ترد على أي منها ولأول مرة منذ زمن طويل لم تشعر بالخۏف.
شعرت بشيء أصلب أكثر ثباتا شعرت بالتصميم.
أما لوسيا فلم تستطع الهروب من الشعور بالذنب كانت ترى مارينا في أحلامها والزاوية والطرق المتفرعة.
طلبت مساعدة نفسية لأول مرة في حياتها وفي إحدى الجلسات قالت بصوت مسموع ما أخفته لعقود.
قالت إنها لو أصرت أكثر لو تكلمت مبكرا ربما كانت الأمور ستسير بشكل مختلف.
لم تقدم لها المعالجة مواساة سهلة بل قالت إن الصمت