أعاد محفظةً ضائعة… فكانت المكافأة لحظة غيّرت حياة ابنته إلى الأبد


مرسومين بخطوط بسيطة وألوان زاهية يبتسمان ابتسامة كبيرة. أمسك إميليو الورقة بعناية كما لو كانت شيئا ثمينا هشا.
قال
إنه جميل جدا.
وترقرقت عيناه دون أن يستأذن.
في تلك الليلة وبعد أن نامت كلاريتا جلس إميليو في شرفة الشقة يرتدي معطفه والريح رفيقته. فكر في الحياة وفي كيف أن كل ما يبقيك واقفا أحيانا هو أنك فعلت الصواب حتى لو لم يصفق لك أحد.
في صباح اليوم التالي عند العاشرة تماما طرق الباب. سلمه ساعي البريد ظرفا بنيا مختوما بختم رسمي المحكمة.
شعر إميليو ببرودة تسري في ظهره. لم يكن عليه مخالفات ولا نزاعات ولا قضايا فلماذا المحكمة
جلس على الأريكة فتح الظرف بحذر وقرأ. كانت استدعاء رسميا للحضور في اليوم التالي. موقع باسم الدكتورة هيلينا فاسكيز دي لا كروز قاضية محكمة الأسرة.
استقر الاسم في معدته كحجر. عاد بذاكرته إلى المحفظة إلى بطاقة الهوية وهناك كان الاسم ذاته. المرأة نفسها.
تمتم
ماذا تريد قاضية مني
ظهرت كلاريتا بنعاس تجر دميتها.
قالت
أبي لماذا تبدو وكأن بطنك تؤلمك
أخفى إميليو الورقة بسرعة وابتسم تلقائيا.
قال
لا شيء يا صغيرتي أمور الكبار فقط.
لكن في داخله كان الخۏف قد بدأ يحدث ضجيجا.
لم ينم تلك الليلة إلا قليلا. بقي الاستدعاء على الطاولة كظل مكتوب.
في اليوم التالي أوصل كلاريتا إلى المدرسة ثم قاد سيارته إلى وسط المدينة. كان مبنى المحكمة مرتفعا بأعمدة وزجاج وحراس ينظرون إليك وكأنهم يقرؤون ذنوبك.
في الاستقبال كتبت الموظفة اسمه على الحاسوب.
قالت
السيد إميليو أورتيغا الطابق الثالث. القاضية ستستقبلك شخصيا.
ابتلع ريقه. كلمة شخصيا بدت له وكأنها تعني أن الأمر خطېر.
كان ممر الطابق الثالث صامتا من ذلك الصمت الذي يثقل الصدر. فتح الحارس الباب.
كانت الغرفة واسعة مليئة بالكتب يدخلها الضوء من النافذة وكانت هناك أنيقة شعرها مرفوع ونظرتها
ثابتة. المرأة نفسها التي في الصورة لكن حضورها في الواقع كان أشد وقعا.
قالت وهي تنهض
السيد إميليو أورتيغا
أجاب
نعم سيدتي
شعر أنه غريب بقميصه البسيط ويديه المتعبتين. اقتربت ومدت يدها.
قالت
أنا القاضية هيلينا فاسكيز. شكرا لقدومك.
كانت المصافحة رسمية لكنها لم تكن باردة بل إنسانية.
قالت وهي تشير إلى الكرسي
أعلم أنك تشعر بالحيرة. لذلك فضلت أن أشرح الأمر بنفسي. المحفظة التي أعدتها كانت لي.
تنفس إميليو بارتياح وشعر أن صدره ارتخى قليلا.
قال
آه إذن هذا هو الأمر. لقد فعلت فقط ما هو صواب.
نظرت إليه هيلينا كما لو كانت تفحص صدق كلماته لا الكلمات نفسها.
قالت
قليلون يفعلون ما فعلته. في تلك المحفظة لم تكن هناك أوراق مهمة فقط بل صورة واحدة من الصور القليلة التي أحتفظ بها لابنتي عندما كانت صغيرة. ظننت أنني فقدت جزءا من حياتي.
تأثر إميليو وفوجئ بتعاطفه مع امرأة كان يتصورها بعيدة بحكم منصبها.
قال بتردد
لم يكن عليك استدعائي إلى المحكمة لشكري. كانت كلمة شكر كافية.
ابتسمت هيلينا ابتسامة خفيفة.
قالت
كان بإمكاني الاتصال هاتفيا. لكنني اخترت شيئا مختلفا. كل يوم أرى الكذب والخداع والناس الذين يبحثون عن مصلحة. وعندما أخبروني أن رجلا بسيطا أعاد كل شيء كما هو أردت أن أذكر نفسي بأن الخير ما زال موجودا.
ساد الصمت. لم يعرف إميليو ماذا يقول. فرك كفيه.
فتحت هيلينا درجا وأخرجت ظرفا أبيض.
قالت
أردت أن أقدم لك هذا عربون شكر.
رفع إميليو يده سريعا.
قال
لا من فضلك. لم أفعل ذلك من أجل المال.
نظرت إليه باحترام.
قالت
توقعت ذلك. وربما لهذا السبب أنت تستحق أكثر مما تظن.
تساءل بدهشة
أكثر
غيرت هيلينا نبرتها إلى لطف واضح.
سألته
هل لديك أطفال
أجاب
نعم. ابنة اسمها كلاريتا عمرها ثماني سنوات.
تلينت ملامح هيلينا قليلا.
قالت
لدي ابنة أيضا. أصبحت كبيرة وتعيش خارج البلاد. عندما رأيت الصورة فهمت أن العدالة أحيانا تكون امتنانا.
وقدرا.
خرج إميليو