أطعمته من بقايا طعامها… فغيّرت حياة طفل وأبٍ ثري إلى الأبد


يحفظه في مكان عميق من ذاكرته مكان لم تفسده الاجتماعات ولا الصفقات.
كان يشعر دون أن يعرف السبب أن هذا الاسم سيكون فاصلة في حياته.
مرت ثلاثة أيام ثقيلة.
عادت ليڤيا إلى روتينها القاسې.
كانت تفرك أرضية شقة فاخرة لأصحاب العمل ركبها تؤلمها ويديها متشققتان من مواد التنظيف.
سمعت ربة المنزل تقول ببرود اعتادت عليه
لا أريد إعطاء بقايا الطعام بعد الآن.
لم تجادل.
أومأت برأسها كما تفعل دائما حين تختار الصمت بدل الجدال وحين تفضل حفظ كرامتها على الدخول في نقاش لا يغير شيئا.
في المساء جلست مع دونا ألزيرا في الكوخ الصغير الذي لم يكن يتسع إلا لجسديهما وتعبهما. اقتسمتا خبزا يابسا وكوب شاي خفيف كان طعمه أقرب إلى الدفء منه إلى السكر.
أخذت ليڤيا نفسا عميقا كي لا تبكي ثم أدارت وجهها نحو النافذة الصغيرة. كان القمر شاحبا معلقا في السماء كأنه شاهد صامت على ما يسكن صدرها من إرهاق وكأنه يعرف جيدا كم تحتاج هذه المرأة إلى معجزة صغيرة أو إلى لحظة إنصاف.
قالت دونا ألزيرا بصوت مبحوح أنهكه المړض لكنه ظل ثابتا كإيمانها
الله لا ينسى أحدا يا ابنتي هو فقط يختبر الصبر ليعرف من بقي قلبه مفتوحا رغم القسۏة.
لم تجب ليڤيا. اكتفت بأن أمسكت يد العجوز برفق وكأنها تقول لها إن هذا الإمساك وحده كاف في تلك الليلة.
في صباح اليوم التالي استيقظت ليڤيا على صوت محرك سيارة يتوقف في الزقاق الضيق.
كان الصوت غريبا عن المكان فالحارات الفقيرة لا تعرف السيارات الغريبة ولا يزورها من الخارجين أحد إلا نادرا.
توقفت للحظة ظنت أنها تتوهم ثم عادت فسمعته بوضوح.
فتحت الباب بحذر وقلبها يخفق.
رأت سيارة بسيطة نظيفة لا تشبه سيارات الأثرياء التي تمر مسرعة في الشوارع الكبيرة ولا تشبه أيضا مركبات الحي المتهالكة.
كان فيها شيء من التواضع المقصود وكأن من بداخلها لا يريد أن يفرض حضوره بالقوة.
نزل آرتور دون حراس دون مظاهر فخمة يحمل ظرفا بيده وعلى وجهه شيء مختلف لم تره من قبل مزيج من الحرج والصدق والتعب.
لم يكن رجل الأعمال الذي تظهر صوره في الصحف بل أبا يبحث عن شيء ضاع منه.
قال وهو يقف أمامها
بحثت عنك. لم يكن الأمر سهلا لكنه كان لازما.
ترددت ليڤيا. لم تتراجع ولم تتقدم.
لم تدعه للدخول ولم تطرده.
بقيت واقفة عند الباب تستمع وقد علمتها الحياة ألا تسلم قلبها سريعا حتى وإن بدا الكلام صادقا.
قال آرتور وكأن الكلمات تخرج منه بصعوبة لا لأنه لا يعرف ماذا يقول بل لأن الاعتراف كان أثقل من صوته
كايكي لم يعد يبتسم إلا وهو يذكر صوتك. يسأل عنك كل ليلة. يقول إنك جعلته يشعر أنه ليس وحده في هذا العالم.
توقف قليلا وأدار نظره بعيدا كأنه يخجل من ضعفه أو يخشى أن تفضحه دمعة على غير عادته. ثم عاد وجمع ما