دفعتُ 150 فقط لتنظيف الحديقة… فاكتشفتُ درسًا غيّر نظرتي للعمل إلى الأبد


عمل
لم يكن في سؤاله إلحاح ولا استعجال ولا محاولة ضغط. كان سؤالا بسيطا صادقا يحمل في داخله أكثر مما تقوله العبارة نفسها.
ناولته كوبا من الماء وأجلسته في الظل حيث يخف ۏطء الشمس. لم أنظر إليه هذه المرة كعامل جاء يبحث عن أجر بل كإنسان يحمل يومه على كتفيه. تركت السؤال عن العمل جانبا وسألته عن عائلته عن يومه عن المدرسة عن الأشياء الصغيرة التي عادة لا يسأل عنها أحد.
كان يجيب بهدوء بلا تزيين بلا شكوى وكأن التعب أصبح جزءا طبيعيا من حياته.
وهنا جاء التحول الذي لم يكن في
الحسبان.
قال إن والدهما ټوفي قبل عام واحد فقط وإن الفراغ الذي تركه لم يكن عاطفيا فحسب بل ثقيلا في تفاصيل الحياة كلها. الأم خرجت للعمل في تنظيف البيوت منذ ساعات الفجر الأولى تعود متعبة لكنها تحاول أن تبقي البيت واقفا. أما هما فقد قررامن دون أن يطلب أحد منهما ذلكأن يعملا ليساعدا الأسرة وأن يكونا سندا بدل أن يكونا عبئا.
ثم توقف لحظة وكأنه يسترجع مشهدا محفورا في ذاكرته وقال إن اليوم الذي عادا فيه إلى البيت ومعهما ستمئة بيزو لم يكن يوما عاديا.
قال بصوت اختلط فيه الفخر بالدهشة وكأنه لا يزال غير مصدق ما حدث
أمي بكت لكن ليس حزنا. بكت لأن أحدا لم يدفع لنا هكذا من قبل. قالت إن ذلك جعلها تشعر أن تعبنا له قيمة وأن ما نفعله ليس بلا معنى وقالت إنه ربما لم يضع كل شيء.
توقف قليلا بعد الجملة الأخيرة كأنه يستعيد ملامح أمه في تلك اللحظة دموعها وصمتها وتلك النظرة التي لا تشبه الانكسار بل تشبه اليقظة بعد طول إنهاك.
لم تكن تلك دموع مال ولا دموع مفاجأة عابرة.
كانت دموع اعتراف.
اعتراف بأن الجهد يرى أخيرا وبأن التعب الذي اعتادت أن تحمله وحدها بصمت وعنادة لم يعد مخفيا في زوايا الأيام.
دموع امرأة شعرت ولو لمرة واحدة في عمر طويل من الكدح أن ما تفعله ليس عبثا وأن العمل الشريف ليس مجرد محاولة يائسة للبقاء على قيد الحياة بل طريق له كرامته وله حقه في الاحترام والتقدير مهما كان بسيطا في أعين الآخرين.
كانت دموعها إعلانا غير منطوق
أن الإنسان لا يطلب الكثير
بل فقط أن يرى.
في تلك اللحظة أدركت أن الأمر تجاوز الحديقة منذ وقت طويل بل ربما منذ اللحظة الأولى التي وقفا فيها عند بابي.
لم يعد يتعلق بالأعشاب التي اقتلعت من الأرض ولا بالتراب الذي أزيل عن الممرات ولا بالمبلغ الذي انتقل من يد إلى يد.
كان الأمر أوسع من المال وأعمق من موقف عابر وأصدق من أي خطاب نظري عن الأخلاق أو القيم يلقى من خلف منابر مريحة.
كان درسا حيا نابضا خرج من بيت متواضع يحمل هم الغد لا من كتاب أنيق