كان سيمرّ من دون أن يلتفت… لكن ما رآه بين النسور غيّر كل شيء


والقهوة المعاد تسخينها. أعادوا الأسئلة نفسها مرارا كأن تكرار القصة قد يكشف ثغرة. وحين سألني أحدهم عن حياتي انزلقت الحقيقة من فمي بلا قصد. أخبرتهم عن زوجتي وعن وحدتي وعن أن الطريق صار بيتي. ورأيت في عيني الرقيب ومضة فهم لم يكن الشك بدافع الشړ بل خوفا من الخطأ.
نمت تلك الليلة نوما مضطربا في كابينة الشاحنة. خارجها كانت المدينة الصغيرة تتنفس بصمت. وداخلها لم أستطع أن أتوقف عن تخيل ما عاشته ولا ما قد يحدث إن علم من آذوها بأنها ما زالت حية.
في الصباح ذهبت إلى العيادة. أردت رؤيتها ولو من الباب. كانت أفضل قليلا لون في الخدين ووجه نظيف. ومع ذلك آثار الخنق في عنقها قلبت معدتي. قالت لي الممرضة جملة لن أنساها ستحتاج إلى قوة لما هو قادم. لم أفهمها حينها لكنني فهمتها لاحقا.
في تلك الليلة استيقظت.
كنت في الممر حين سمعت الأنين الأول ثم ارتجاف الجسد ثم الصړخة. صړخة ړعب خالص. وحين رأتني انكمشت كأن وجهي هو وجه من آذاها. كانت تصرخ لا! اخرج! وتحاول الابتعاد. تراجعت خرجت من الغرفة وبقيت مسندا ظهري إلى الجدار أستمع إلى خۏفها وهو يتحول إلى نحيب.
كان ذلك الألم مختلفا. لم يكن ذنبا قديما بل صدمة فهم بالنسبة لها كان أي رجل خطړا. لم يكن خۏفها مني بل من العالم.
أخبرني الرقيب أن اسمها ليتيسيا عمرها تسعة عشر عاما ومن تيريزينا مدينتي. خرجت قصتها متقطعة بين الدموع والصمت. كانت قد استقلت حافلة تعطلت فقبلت توصيلة. رجلان. سيارة داكنة. وعود تحولت إلى فخ. لا حاجة للتفاصيل لفهم حجم الړعب. المهم أنها كانت حية. وأنه بات علينا حمايتها وملاحقة من فعلوا ذلك.
في اليوم التالي وصلت والدتها. امرأة بعينين منتفختين من البكاء ويدين ترتجفان بين الڠضب والارتياح. توقعت شكا أو لوما. لكنها عانقتني كما لو كانت تعرفني منذ زمن كما لو كنت أرضا صلبة بعد غرق. كانت تردد شكرا مرارا كدعاء.
نظرت إلي ليتيسيا حينها بنظرة مختلفة. كان الخۏف لا يزال فيها لكن كان هناك أيضا اعتراف مؤلم أحدهم توقف حين كان بإمكان الجميع أن يمروا.
قررت الشرطة نقلها إلى مدينة أكبر. وفي تلك الليلة نفسها وأنا أحاول النوم رأيت سيارة متوقفة خلف شاحنتي مصابيحها مطفأة ومحركها يعمل. لم يكن وهما سينمائيا. كانت هناك فقط. خمس دقائق. ثم غادرت. اتصلت بالرقيب. كان صمته أسوأ من أي كلام. قال أخيرا قد يكون استطلاعا. إن عرفوا أنك تدخلت قد يحاولون إسكاتك.
رافقتني الشرطة خارج المدينة. قدت نحو فلوريانو وأنا أشعر أن كل ظل خطړ. وعندما وصلت إلى مخفر أكبر واستقبلني ضابط بحزم شعرت لأول مرة منذ أيام بشيء من الأمان.
هناك فهمت أن قضية ليتيسيا ليست حالة معزولة. كانت هناك تحقيقات أوسع فتيات مفقودات أنماط متكررة طرق سيارات وجوه تعود ككابوس. كلمة شبكة جمدت دمي. وفي ذلك الجمود ظهر أمل إن كانت شبكة فهي قابلة للسقوط.
بعد أيام أظهرت كاميرا محطة وقود ما كانوا يحتاجونه سيارة سيدان داكنة رجلان ندبة في العنق وشم كبير على الذراع ولوحة سيارة واضحة. اسم. للمرة الأولى ترك الۏحش أثرا.
تأخر أمر التفتيش أكثر مما أردنا. كانت البيروقراطية بطيئة والقلق يلتهمنا. كنت أزور ليتيسيا ووالدتها يوميا في دار دعم. كانت ليتيسيا تكتب في دفتر لتخرج الخۏف من رأسها. أحيانا تبتسم بخجل وأحيانا ترتجف من الكوابيس. لكنها في كل زيارة حتى في هشاشتها كانت أكثر تصميما أريدهم أن يقبض عليهم.
أريد أن