بعد أسبوعين من زفافي


وعي يتشكل فجأة وذاكرة تعيد ترتيب نفسها على ضوء جديد قاس لا يرحم.
لسنوات طويلة كانت هناك تفاصيل صغيرة لا تنسجم تماما أشياء كنت ألاحظها ثم أزيحها عن ذهني بسرعة كما يزيح المرء غبارا خفيفا عن كتفه.
نكات عائلية تقال على سبيل المزاح عن أنني لا أشبه أحدا.
تعليقات عابرة عن التوقيت عن الټضحية عن قرارات كانت معقدة آنذاك.
جمل تقال ثم تسحب نظرات تلقى ثم تدار الوجوه بعدها بسرعة.
كنت أفسر كل ذلك بسذاجة مريحة
العائلات معقدة.
الماضي مليء بالثغرات.
والنبش لا يقود غالبا إلى شيء جيد.
كنت أفضل السلام على الحقيقة دون أن أسمي ذلك خوفا.
لكن الآن
صار لتلك الفوضى شكل.
صار لها صوت.
وصارت تملك أسماء وملفات وتواريخ.
الټفت إلي المصور ولم تكن في عينيه نظرة فضول بل ثقل شخص وجد نفسه فجأة في قلب قصة لم يخترها.
قال
لم أرد القفز إلى الاستنتاجات.
ثم صمت لحظة كأنه يمنحني فرصة إنكار أخيرة.
وأضاف بهدوء لا يخلو من أسف
لكن بيانات الصور تظهر أن هذه الأحاديث جرت قبل أن تسيري نحو المذبح. أيا كان هذا الأمر كانوا يائسين لإبقائه مخفيا.
يائسين.
الكلمة علقت في ذهني.
عدت إلى المنزل في صمت كامل.
لم أشغل الموسيقى.
لم أتصل بأحد.
كنت أقود وكأن الطريق أطول مما هو عليه وكأن المسافة بيني وبين البيت صارت مسافة بين نسختين من نفسي
تلك التي دخلت الاستوديو
وتلك التي خرجت منه.
في تلك الليلة جلست وحدي وأعدت النظر إلى صور زفافي.
ليس نظرة عروس تعيد لحظة فرح بل نظرة امرأة تحاول قراءة ما فاتها.
كنت أراقب التفاصيل الصغيرة
المسافات.
الزوايا.
الأجساد التي بدت قريبة لكنها لم تكن كذلك.
لاحظت كيف وقف والداي متباعدين قليلا أكثر من اللازم.
كيف كانت أمي تشد على يديها أثناء الخطب لا تصفق إلا متأخرة.
كيف كانت تبتسم ثم تسقط الابتسامة سريعا كمن يتذكر شيئا لا

يجوز نسيانه.
وكيف لم تصل ابتسامة أبي إلى عينيه مهما حاول أن يبدو حاضرا.
في تلك اللحظة تصدع شيء أساسي في داخلي.
ليس اڼهيارا دراميا بل كسرا هادئا صامتا كصدع في زجاج ظل يبدو سليما لسنوات.
أدركت شيئا واحدا بوضوح قاطع
هذا لم يكن عن الزفاف.
ولا عن يوم واحد.
كان عني.
لم أواجههما فورا.
لم يكن ذلك جبنا بل حاجة.
كنت بحاجة إلى حقائق لا إلى انفعال قد يستخدم ضدي لاحقا.
طلبت سجلات ولادتي بهدوء بحجة تحديث مستندات قانونية.
وحين وصلتني شعرت أنني أنظر إلى نصف صورة.
أسماء محجوبة.
تواريخ معدلة بعناية.
وسجلات طبية تشير إلى ظروف خاصة دون أي شرح.
كل شيء كان مصمما ليبدو طبيعيا دون أن يكون كاملا.
استأجرت باحثة أنساب خاصة امرأة اعتادت تفكيك التاريخ من خلال الوثائق لا العواطف تعرف أن الډم لا يكتب سيرة كاملة لكنه يترك إشارات لا تخطئها العين حين تحسن القراءة. كانت من النوع الذي لا يرفع صوته ولا يبالغ في الدهشة ولا يبيعك نتائج على هيئة حكاية بل يعطيك الحقيقة كما هي سطرا وراء سطر وخيطا وراء خيط حتى تتشكل الصورة رغم قسۏتها.
وحين اتصلت بي بعد أسبوعين كان صوتها مختلفا عن الصوت الذي تحدثت به في اللقاء الأول.
أبطأ.
أثقل.
حذر كمن يمشي فوق أرض رقيقة يخشى أن تنكسر تحت قدميه.
كأنها تعلم أن ما ستقوله لن يكون مجرد معلومة تضاف إلى ملف بل حجرا يلقى في بحيرة حياتي فيغير كل دوائرها.
قالت بعد صمت صغير بدا طويلا
والدك البيولوجي ليس الرجل الذي رباك.
لم أفهم الجملة في اللحظة الأولى كما ينبغي.
سمعتها نعم لكن عقلي تعامل معها كأنها لغة أخرى تحتاج ترجمة.
ثم جاءت الترجمة دفعة واحدة حادة كالسکين.
دار المكان من حولي.
ليس دوارا جسديا فقط بل اهتزازا في الإحساس بالانتماء بالهوية بالقصة التي كنت