وصل والدُ صاحبِ المعرض إلى صالة العرض ليشتري سيارة… لكنهم طردوه لأنهم ظنّوه فقيرًا


يمر بعينيه على الوجوه واحدا واحدا
في هذا المكان تباع السيارات نعم لكن قبل السيارات يجب أن يباع الاحترام. إن لم يكن عندكم احترام لإنسان واحد يدخل من هذا الباب فكل ما تبيعونه ليس فخامة بل خداع.
ثم أشار إلى دون توماس الذي كان يقف جانبا لا يطلب شيئا لنفسه لكنه لم يسكت حين رأى الظلم.
هذا الرجل قال إميليانو لم يحمل لقبا ولا بدلة. لكنه حمل قلبا. وحين كان الجميع يتفرجون جاء وحده وقال توقفوا.
بدأت همهمات بين الزبائن. لم تكن همهمات فضول هذه المرة بل همهمات ضمير استيقظ. ثم انطلق تصفيق خجول من زاوية بعيدة وكأنه اختبار هل يجوز أن نصفق للإنسانية في مكان اعتاد التصفيق للذهب فقط وبعد لحظات صار التصفيق أعلى وأصدق حتى بدا كأنه يطرد من المكان شيئا ثقيلا ظل عالقا فيه سنوات.
الټفت إميليانو إلى غوستافو وباتريسيا والحراس. قال بوضوح لا يقبل التفاوض
أنتم موقوفون عن العمل من هذه اللحظة.
ارتجفت باتريسيا انكسرت كلمتها إلى بكاء متقطع
لم أعرف أقسم لو كنت أعلم
أجابها إميليانو بهدوء يوجع أكثر من الصړاخ
المشكلة أنك كنت تظنين أن الاحترام يحتاج معرفة وكأن الإنسان لا يستحق الاحترام إلا إذا كان غنيا أو صاحب سلطة.
أما غوستافو فحاول أن يستنجد بأوراق لم تعد تنفع
لدي أبناء أرجوك كانت لحظة ڠضب
رفع إميليانو يده قليلا ليس ټهديدا بل إشارة إلى أن الكلام انتهى.
ومع ذلك لم يكن يريد أن تكون النهاية صڤعة أخرى حتى لو كانت قانونية. الټفت إلى أبيه. كان يبحث عن شيء واحد هل يريد أبي أن ينتقم هل يريد أن يراهم يسقطون كما أسقطوه
نظر دون سيفيرينو إلى ابنه بنظرة طويلة. لم تكن نظرة ضعف بل نظرة رجل شرب من الحياة ما يكفي ليعرف أن القسۏة تنبت قسۏة جديدة.
قال دون سيفيرينو بصوت وادع
يا بني الڠضب يعمي. لكن التسامح يعلم. لا تمنحهم مخرجا سهلا ولا تغلق الباب أمام أن يصيروا أفضل. إن عاقبتهم فقط سيذهبون ليهينوا غيرهم في مكان آخر. وإن تعلموا ربما تغيروا.
أومأ إميليانو ببطء. ثم قال
حسنا. لن يكون اليوم طردا نهائيا. لكنه لن يكون مرورا بلا ثمن. ستخضعون لشهر كامل من خدمة المجتمع. ستذهبون إلى دار مسنين وإلى ملجأ أيتام وإلى أماكن لا يلمع فيها الرخام بل تلمع فيها الدموع. ستنظفون وتستمعون وتتعلمون النظر في أعين الناس دون احتقار.
ثم أردف بجملة ختمت كل شيء
إيجاد عمل سهل لكن أن تكون إنسانا تلك هي المهمة الأصعب. ومن اليوم يبدأ عملكم الحقيقي.
مر شهر.
كان غوستافو يحمل صناديق في مطبخ خيري يعرق ويعتذر دون كاميرات. كانت باتريسيا تسرح شعر عجوز تحكي لها كيف يكون شعورك حين تمر الناس من جانبك كأنك غير موجود. وكان الحارس الشاب يوصل أدوية لامرأة مسنة في دار رعاية وفهم أخيرا أن هشاشة البشر ليست مادة للسخرية بل مسؤولية للعناية.
عادوا مختلفين. ليسوا ملائكة لكنهم لم يعودوا كما كانوا.
وفي يوم عودتهم إلى المعرض جمعهم إميليانو أمام الموظفين والزبائن. كان دون توماس واقفا إلى جواره بابتسامة متواضعة لا تطلب شكرا.
قال إميليانو
دون توماس سيكون المشرف الجديد على خدمة العملاء. ثلاثون عاما من الوفاء والإنسانية أثمن من أي بدلة.
ثم أمر بتثبيت لوحة كبيرة على جدار واضح مكتوب عليها ببساطة
هنا يحترم الجميع.
وأخيرا الټفت إلى أبيه. كانت نبرته هذه المرة مختلفة نبرة ابن يعيد لأبيه ما سلب منه في لحظة إهانة
الآن يا أبي حقا أي سيارة تريد
سار دون سيفيرينو ببطء بين السيارات ېلمس الطلاء كما ېلمس حلما قديما.
لم يختر الأكثر صخبا ولا الأكثر لفتا للأنظار. اختار سيارة سوداء عميقة اللون هادئة رصينة.
قال
هذه لا لأتباهى بل لأصطحب أمك في نزهة على طول ريفورما ولأعود يوما إلى الحي مرفوع الرأس دون أن أنسى من أين أتينا.
ناول إميليانو المفاتيح بكلتا يديه كأنه يسلم وساما لا قطعة معدن. قبض دون سيفيرينو عليها وبكى. لم يكن بكاء فقر ولا بكاء غنى بل بكاء اكتمال بكاء رجل شعر أخيرا أن كرامته عادت إلى مكانها الطبيعي.
وحين خرجت السيارة من صالة العرض عاد ضوء الصباح ينعكس على غطائها كما كان يفعل دائما لكن هذه المرة لم يكن اللمعان هو الأهم.
الأهم أن الإنسانية وجدت مكانها أخيرا في كاتدرائية الرفاه وأن أحدا بعد ذلك اليوم لن يقاس بثيابه ولا بقدميه ولا بما يبدو عليه بل بما يستحقه من احترام لمجرد أنه إنسان.