من فتاة منسية إلى امرأة تُعلّم الجميع كيف يبدأ الغد


أنا فلا أعود إلى الوراء.
انصرفوا بلا كلام لا لأنهم طردوا بل لأن المكان لم يعد يتسع لنسخة قديمة من الحكاية.
في تلك الليلة حين هدأ الضوء ونامت الحقول قال كايو بصوت لم يطلب تصفيقا
لا أجيد الوعود المزخرفة. أعدك بسقف واحترام وخبز ووقت تصان فيه الكلمة. لا أريدك عاملة معي بل شريكة طريق. إن كان هذا زواجا فهو ما أطلبه.
بكت هيلينا بلا خجل ولا دفاع
أقبل لكن ندا لند.
ولا أريدك ظلا قالها كأنه يقطع عهدا مع نفسه.
تزوجا ببساطة تشبه الحقيقة. جلست هيلينا إلى البيانو في مساء دافئ وكانت النغمات متعثرة لكنها صادقة موسيقى ممكنة وذلك كان المعجزة الأولى.
ثم جاءت العاصفة. ليل كثيف رعد يوقظ الخشب وريح تجرب صلابة بيت الغد. ركض الناس واشټعل القلق وكاد المخزن يبدو هشا كقلب تعافى للتو. وحين انقشع الخطړ ظهرت الأم مبللة مذعورة بلا أقنعة
جئت لأرى إن كنت بخير خفت عليك.
أمسكت هيلينا الطباشير وكتبت على اللوح كلمة واحدة غفران. شرحتها ببطء لا كموعظة بل كطريق. قالت الأم بصوت منكسر
لا أعرف كتابتها هل تعلمينني
أمسكت هيلينا يدها وكتبت معها حرفا حرفا. خرجت الكلمة معوجة لكنها خرجت. وفهم الجميع أن بيت الغد ليس مدرسة حروف فحسب بل مدرسة وجود.
مع الوقت خفت الهمسات فحين تصير الحياة دليلا تصمت الألسنة. تعلم الناس القراءة والتوقيع والحساب وتعلموا أيضا أن يقفوا مستقيمين. كانت امرأة توقع اسمها لأول مرة فتضحك ورجل يقرأ عقدا فلا يخدع وفتى يرفع رأسه لأنه صار يجيد السؤال. وكل سبت كانت هيلينا تعزف مقطوعتين بسيطتين وكايو يصف المقاعد كأن أعظم ثروة هي أن ترى الوجوه تزهر.
لم تتغير هيلينا فجأة كانت تعرف أن الشفاء مسار. بعض الليالي كانت تستيقظ على خوف قديم فتخرج إلى الشرفة تلمس الخشب وتعد الأنفاس. كان كايو يجلس بقربها دون أسئلة لأن الحضور أحيانا أبلغ من الكلام. وفي الصباح كانت تعود إلى اللوح تكتب درسا جديدا وتكتشف أنها تكتب نفسها من جديد.
كبر بيت الغد. صار له سقف أصلب ومكتبة صغيرة ودفاتر لا تقاس بالعدد بل بالجرأة. جاء أطفال من القرى المجاورة ثم آباؤهم. صار المخزن ملتقى تروى فيه القصص كما تحل المسائل. وحين حاولت بعض الأصوات أن تعود إلى الغمز واللمز واجهها الواقع أرقام أوضح وجوه أهدأ وكرامة تمارس بلا ضجيج.
وذات مساء وقفت هيلينا أمام الصف وقالت
المعرفة لا ترفعنا فوق بعضنا بل تعيدنا إلى مستوى واحد مستوى الإنسان.
فهموا. لأنهم عاشوا.
وحين سئلت بعد سنوات كيف بدأ كل شيء لم تحب الزخرفة
بدأ حين أرسلت فائضا وهنا اكتشفت أنني بذرة.
وأضافت بابتسامة تعرف وزنها
والبذور لا تشبه ما يقال عنها بل ما تصير إليه.
وهكذا على طريق فيلا براڤورا ما زال من يقسم أنه حين يهدأ الريح ويصفو الليل يسمع من مخزن مضيء صوت بيانو
قديم وضحكات رجال ونساء خرجوا من درس وهم يحملون الغد في صدورهمغدا لا يستعار بل يبنى.