الغرفة 412-C لا تزال تراقب… قصة لم يستطع الطب ولا القانون تفسيرها


فجوات في الذاكرة المؤسسية بسبب تغير الموظفين.
ومع ذلك بقيت الأنماط.
كان جميع الأطفال الذين ولدوا للممرضات المتأثرات أصحاء على نحو يبعث على الاطمئنان على الأقل من الناحية الطبية البحتة.
لم تسجل أي حالات تشوه خلقي ولا اختلالات في الأجهزة الحيوية ولا تأخر في النمو الجسدي خلال الشهور الأولى.
كانت نتائج الفحوصات مطابقة لما هو متوقع بل أحيانا أفضل قليلا من المتوسط.
هذا وحده كان كافيا لإغلاق أي باب للشك الرسمي.
لكن الأطباء بطبيعتهم لا ينظرون فقط إلى الأرقام.
كان هناك شيء ما لا يظهر في الجداول ولا يقاس بالأجهزة.
الهدوء.
هدوء غير مألوف.
لم يكن هدوء الأطفال حديثي الولادة الذين ينامون طويلا بسبب الإرهاق
ولا هدوء الرضع الذين يفتقرون إلى الاستجابة العصبية
بل هدوء واع ساكن كأن الأطفال يعرفون متى يجب أن يصمتوا ومتى يفتحون أعينهم.
لاحظ أطباء الأطفال خلال زيارات المتابعة الأولى أن التواصل البصري لدى هؤلاء الأطفال يختلف عن المعتاد.
لم يكن عابرا ولا مشتتا ولا عشوائيا.
كان ثابتا.
كانت أعينهم الصغيرة تتشبث بالوجوه أمامهم
تتابع الحركة
وتحتفظ بالنظر أطول مما ينبغي.
بعض الأطباء دون الملاحظة في ملفه الخاص ثم شطبها.
آخرون تجاهلوها تماما.
فمن الصعب بل من الخطړ أحيانا أن تضخم سلوكا لا تستطيع إثبات غرابته علميا.
لكن حين تكررت الملاحظة ذاتها مع أكثر من طفل
ومن أكثر من طبيب
وفي أكثر من مدينة
بدأ الشعور بالانزعاج يتسلل إلى الممرات البيضاء للطب الحديث.
أما التنسيق الحركي فقد زاد الأمر تعقيدا.
الأطفال رفعوا رؤوسهم في عمر مبكر.
شدوا بأصابعهم بقوة غير متناسبة مع حجمهم.
بدت حركاتهم دقيقة متزنة كأن الجهاز العصبي لديهم يعمل وفق إيقاع مختلف.
لم يكن تفوقا خارقا.
لم يكن معجزة.
لكنه لم يكن طبيعيا تماما أيضا.
كل طفل بمفرده يمكن تفسيره.
أما المجموعة فكانت تفرض سؤالا.
السؤال الذي لم يطرح علنا.
الأمهات من جهتهن كن أول من شعر بأن هناك شيئا لا ينسجم مع الكلمات المطمئنة التي يسمعنها في العيادات.
إحداهن قالت إنها كانت تشعر في الأسابيع الأولى بأن طفلها لا ينام فعلا
بل يغلق عينيه فقط.
كانت تراقب صدره يرتفع وينخفض بانتظام
لكن إحساسا داخليا كان يخبرها أن الوعي لم يختف تماما.
أم أخرى قالت إن طفلها كان يبتسم فجأة دون أي محفز واضح
ابتسامة هادئة غير صاخبة
ثم يوجه نظره نحو زاوية الغرفة.
في البداية اعتبرت الأمر عاديا.
الظل الضوء حركة الستارة.
لكن الزاوية كانت دائما نفسها.
وحين حاولت تغيير موضع السرير
انتقل نظر الطفل معها
إلى زاوية جديدة.
كأن الأمر لا يتعلق بالمكان
بل بما يرى فيه.
لم تكن هذه القصص متداولة علنا.
لم تكن هناك مجموعة دعم ولا منتدى ولا حديث مشترك.
كل أم كانت تعتقد أن ما تراه يخصها وحدها.
وأن الاعتراف به قد يضعها موضع شك.
لكن التشابه كان مخيفا.
عدة أمهات لا يعرفن بعضهن بعضا
في مدن مختلفة
بدأن يلاحظن السلوك ذاته.
الضحك عند الفجر.
ليس ضحك اللعب.
ولا ضحك الانتباه.
بل ضحك هادئ قصير كأنه رد فعل.
وكان التوقيت دائما متقاربا.
بين الساعة الثالثة والنصف والرابعة صباحا.
لا أحد من الأطفال كان يبكي في تلك الفترة.
لا صړاخ.
لا اضطراب.
لا حاجة للرضاعة.
كانوا مستيقظين.
هادئين.
بأعين مفتوحة.
كأنهم ينتظرون موعدا لا يعرفه سواهم.
إحدى الأمهات حاولت تجاهل الأمر لأسابيع
لكنها ذات ليلة قررت أن تبقى مستيقظة.
جلست قرب السرير والضوء خاڤت والساعة تقترب من الثالثة والنصف.
حين فتح طفلها عينيه
لم ينظر إليها.
نظر خلفها.
وحين التفتت فجأة
لم تر شيئا.
لكنها شعرت كما قالت لاحقا
بأن الهواء تغير.
لم يحدث شيء آخر.
لم يظهر أحد.
لم يسمع صوت.
لكن تلك الليلة لم تغادر ذاكرتها.
أما الغرفة 412C فقد أصبحت موضوعا لا يذكر لكنه لا ينسى.
بعد إغلاقها رسميا حولت إلى مخزن للأجهزة التي لم يعد أحد يستخدمها.
كان القرار إداريا بلا تفسير.
لكن الأجهزة لم تستقر فيها.
كانت الأعطال تتكرر بلا نمط واضح.
بطاريات
جديدة تنفد خلال
ساعات.
شاشات تومض