قرّر المليونير أن يزور منزل خادمته


إن دخل تلك المنطقة حتى شعر وكأنه عبر إلى عالم آخر.
الشوارع ضيقة البيوت متلاصقة الجدران تحمل آثار الزمن والشمس والضجيج مختلف عن صمت الأحياء الراقية. كان كل شيء بسيطا مكشوفا وحقيقيا بطريقة أربكته.
توقف أمام منزل صغير من الطوب تحيط به حديقة مهملة. ترجل من السيارة وشعر لأول مرة منذ سنوات بتوتر حقيقي.
تساءل ماذا لو أخطأ ماذا لو تجاوز حدوده ماذا لو لم ترغب جوليا برؤيته هنا
لكن قدماه حملتاه إلى الباب.
رفع يده وطرق.
وكان قلبه يخفق كأنه على وشك أن يفتح بابا لا يغلق.
طرقاته لم تكن قوية لكنها بدت له عالية بما يكفي ليسمع ارتجاف يده. انتظر ثواني معدودة شعر خلالها بأن الزمن قد تباطأ على غير عادته ثم سمع وقع خطوات خفيفة تقترب من الباب.
انفتح الباب ببطء.
وقفت جوليا مينديز أمامه وقد تجمدت ملامحها للحظة. اتسعت عيناها في دهشة صادقة وتراجع جسدها نصف خطوة كأنها لا تصدق ما تراه.
قالت بصوت خرج مترددا
سيد أرياغا ماذا تفعل هنا
كان صوتها خليطا من المفاجأة والقلق وكأن وجوده في هذا المكان البسيط خرق قانونا غير مكتوب. حاول إميليانو أن يبدو طبيعيا لكن نبرته خانته قليلا.
صباح الخير جوليا. أعلم أن زيارتي مفاجئة لكنني أردت الاطمئنان عليك. أردت أن أعرف كيف حالك.
سادت لحظة صمت قصيرة ثم فتحت الباب على مصراعيه وأشارت له بالدخول.
تفضل البيت بسيط.
خطا إميليانو إلى الداخل وتوقف عند العتبة كأنه يحتاج إذنا جديدا للدخول إلى عالم لم يعرفه من قبل. لم يكن البيت واسعا لكنه كان نظيفا دافئا ومليئا بأشياء صغيرة تحكي حياة كاملة. صور قديمة معلقة على الجدران إطار مكسور في زاوية مزهرية بلاستيكية فيها ورد صناعي ورائحة طعام منزلي تختلط برائحة دواء.
جلسا في غرفة الجلوس
الصغيرة. كنبة قديمة مغطاة بقطعة قماش نظيفة طاولة خشبية عليها أكواب غير متطابقة ومروحة سقف تصدر صوتا خاڤتا.
شعر إميليانو بشيء غريب راحة لم يختبرها في قصره الواسع.
بدأ الحديث متقطعا. سألها عن يومها عن عملها عن صحتها. أجابت باقتضاب في البداية كأنها لا تزال غير متأكدة إن كان وجوده حقيقيا أم مؤقتا. ثم شيئا فشيئا بدأت الكلمات تنساب.
تحدثت عن سنوات عملها الأولى عن انتقالها إلى المدينة بحثا عن رزق عن أحلام صغيرة كانت تؤجلها دوما. كان إميليانو يصغي بتركيز لم يعتده في نفسه. لم يقاطعها ولم ينظر إلى ساعته ولم يشعر بالحاجة إلى الهروب.
وفجأة تغير صوتها.
ساد صمت قصير ثم انخفضت نبرتها وتجنبت عيناها عينيه. رأى ذلك الظل الذي لاحظه من قبل ظل التعب الثقيل الذي تحمله دون شكوى.
قال بهدوء
جوليا أشعر أن هناك شيئا يثقلك. إذا لم يكن سؤالي تطفلا ما الذي يؤلمك حقا
شدت أصابعها بعضها بعضا كأنها تبحث عن قوة في يديها. ترددت طويلا ثم خرجت الكلمات أخيرا مکسورة لكنها صادقة.
أمي مريضة منذ أشهر. تحتاج إلى علاج مستمر أدوية جلسات وأنا لا أملك ما يكفي. أعمل قدر استطاعتي لكن كل يوم معركة جديدة. أحيانا أشعر أنني لن أستطيع الاستمرار.
امتلأت عيناها بالدموع ولم تحاول هذه المرة إخفاءها.
شعر إميليانو بانقباض حاد في صدره. المرأة التي اعتاد رؤيتها قوية صامتة مبتسمة كانت تقف الآن عاړية من كل تماسكها. نهض دون تفكير واقترب منها واحتضنها بحذر كمن يخشى أن يجرح إنسانا هشا.
لم تبك بصوت عال بل أسندت رأسها إلى صدره وبكت كما يبكي من طال صبره.
في تلك اللحظة تغير شيء داخله.
لم تعد جوليا مجرد موظفة. صارت إنسانة كاملة بألمها بخۏفها وبقوتها الصامتة. أدرك كم كان عالمه