أستطيع إصلاحه متسوّلٌ مشرّد يسمع بكاء مليارديرٍ فيعلّمه ما فشل فيه الجميع.

صدر صوت صرير خفيف من قلم التخطيط ثم عم الصمت. داخل غرفة الاجتماعات الزجاجية في مقر شركة الطيران الفضائي في لاغوس جلست صورة لطائرة على اللوح الأبيض تحت عاصفة من الإجابات الخاطئة. خطوط تتقاطع مع خطوط أسهم تتعارض مع أسهم أرقام لا تتفق مع بعضها.
في مقدمة القاعة أمسك المدير التنفيذي الملياردير جونسون أوتشي بحافة الطاولة بكلتا يديه. كانت عيناه تلمعان وصوته يرتجف. قال لهم أمامنا ٤٨ ساعة. إن فشلنا مجددا سنخسر العقود. سنخسر كل شيء.
جلس كبار المهندسين في أماكنهم كتماثيل. لم ينبس أحد منهم بكلمة. كان الهواء ثقيلا كأنه كابوس يحاول الجميع الاستيقاظ منه بلا جدوى.
ثم جاء صوت من عند الباب. صوت منخفض ثابت وغير منسجم مع المكان إطلاقا.
كان الرجل يقف هناك بثياب باهتة وحقيبة بنية صغيرة يحملها كما يحمل طفل صورة بيته. ضغط الحقيبة إلى صدره ثم غادر المكان العام متوجها إلى صنبور عمومي غسل فيه وجهه. نظر إلى انعكاسه في تموجات الماء وحاول أن يبتسم. لكن الابتسامة لم تدم طويلا.
بدأ يسير نحو جزيرة فيكتوريا وسط ازدحام الصباح. كانت الحروف الفضية على واجهة المبنى الطويل تشد بصره كل يوم شركة الطيران الفضائي.
اعتاد أن يمر من أمامه ببطء كما يمر جائع أمام مخبز. نصف شعور بالألم ونصف بالأمل. لكن هذا اليوم كان مختلفا. رأى أشخاصا يحملون بطاقات عمل يندفعون إلى الداخل. ومصابيح الكاميرات تومض في البهو. بدا المبنى يهتز بالقلق.
انسل الرجل عبر الباب المفتوح. ليس خلسة بل بتواضع. بطريقة الإنسان الذي يشعر أنه لا يريد أن يزعج الهواء من حوله.
وعند أحد الطوابق العليا نظر عبر الزجاج فرأى غرفة الاجتماعات. رأى اللوح الأبيض مغطى بالمسارات الخاطئة. ورأى جونسون أوتشي يفرك عينيه هامسا لفريقه ٤٨ ساعة. ارتطمت الكلمات بشيء عميق في صدره. هو يعرف هذا الرقم. يعرف العد التنازلي. يعرف كيف يمكن لفريق جيد أن يضيع خطوة بعد خطوة حتى يجد نفسه في مكان لا معنى له.
شعر بدفعة داخلية. كانت هادئة لكنها قوية. شدد قبضته على الحقيبة البنية وتقدم.
في غرفة الاجتماعات نظر جونسون إلى الغريب متفاجئا. قال له ماذا قلت
رد الرجل بهدوء أستطيع تصحيح الأمر دعني أجرب.
انطلقت همسات بين المهندسين
هذا جنون
ما الذي يمكن أن يعرفه هذا الرجل ولا نعرفه نحن
لكن عيون جونسون كانت مرهقة بطريقة تجعل الإنسان شجاعا. دفع القلم نحوه عبر الطاولة وقال بصوت منخفض وحازم
إن أضعت وقتنا فأنت تضيع شركتي. لا تضيعه.
فتح الجميع المجال له بدهشة. دخل الغرفة. كان يحمل رائحة الغبار والشمس والورق القديم. لم يقدم نفسه. لم يسعل لتهيئة صوته. لم يبرر وجوده.
أخذ القلم ووقف أمام اللوح ثلاث ثوان كاملة كأنه يستمع لشيء لا يسمعه غيره.
ثم بدأ العمل.
مسح سهمين غاضبين يتصارعان على جناح الطائرة. رسم خطا واحدا نظيفا رقيقا يشبه مجرى نهر. وضع دائرة حول صندوق صغير مكتوب عليه زاوية الھجوم AOA وكتب بجانبه انحراف الحساس تحت الاهتزاز.
أضاف ثلاث معادلات قصيرة ليست كثيرة فقط ما يكفي ليفتح الطريق.
كتب حلقة التغذية الراجعة تبالغ في رد الفعل. ثم وضع تحت الجملة خطا واحدا فقط.
رسم وجها مبتسما صغيرا قرب الذيل ليس للمزاح بل ليشير إلى المكان الذي تريد الطائرة أن تهدأ فيه.
قال له أحدهم ماذا تعني
تحدث الغريب بكلمات بسيطة
عندما تشعر الطائرة برجات صغيرة متكررة يظن هذا الحساس أن مقدمة الطائرة ارتفعت كثيرا فيذعر. يدفع الطيار الآلي المقدمة إلى الأسفل بسرعة فيقاومه الطيار. يتحول الأمر إلى شد بين النظام والإنسان بضع ثوان