أهانت مديرةٌ متعجرفة رجلًا ظنّت أنه مجرد عامل نظافة بسيط. وفي اليوم التالي… اكتشفت الحقيقة التي دمّرت مسيرتها المهنية.


شيئا ما يسحقها من الداخل شيء لا نراه نحن.
استوعب رافاييل تلك الكلمات وهو يعصر قميصه ليزيل ما تبقى من ماء.
كان دماغه يعمل بسرعة يحاول أن يفهم ما شاهده للتو من زاوية جديدة تماما.
إذا لم تكن مجرد مديرة قاسېة تستغل سلطتها.
هناك طبقات وتعقيد وقصة لا يعرفها.
وفجأة بدأ كل ما كان متأكدا منه بشأن خطوته التالية يتداعى.
لقد جاءت فكرة التخفي قبل أسابيع وبدا الأمر آنذاك بسيطا للغاية.
رافاييل ميندس هو المالك والرئيس التنفيذي لمجموعة هورزونتي مجموعة أنشأها من الصفر.
بدأها كمكتب استشارات صغير يعمل فيه وحيدا في غرفة مستأجرة.
الآن يقود ثلاثة آلاف موظف موزعين على خمسة ولايات.
في الثامنة والثلاثين من عمره كان يمتلك كل ما حلم به نجاحا اعترافا أمانا ماليا.
لكن في الآونة الأخيرة بدأت تظهر إشارات غريبة مثل شقوق في جدار متين ظاهريا.
معدل دوران الموظفين كان يرتفع ببطء.
ليس ارتفاعا كارثيا لكنه كاف ليظهر في التقارير ربع السنوية.
تعليقات مبهمة في استبيانات المناخ التنظيمي عبارات من نوع البيئة يمكن أن تكون أكثر ترحيبا وأحيانا أشعر أنني غير مقدر.
وكانت هناك زيادة ملحوظة في الشكاوى المجهولة على قناة الأخلاقيات في الشركة.
طلب رافاييل الوصول الكامل للنظام.
أمضى ليلة كاملة يقرأ كل تعليق كل شكوى كل قصة.
كانت ساعات جعلته يشك في كل ما كان يظن أنه يعرفه عن شركته.
مئات السجلات.
أغلبها مشاكل صغيرة حلت بسرعة لكن كان هناك نمط مقلق بين السطور شكاوى عن أسلوب غير محترم من بعض المديرين عن تمييز واضح بين الموظفين الدائمين والموظفين من شركات خارجية عن ضغط غير محتمل وبيئة عدائية وكلها ممهورة باعتبارها حلت أو بلا أساس من قبل قسم الموارد البشرية من قبل باتريسيا ألميدا نفسها.
كلما قرأ أكثر ازداد إحساسه بشيء غريب.
كانت الشكاوى غير متسقة بالكامل موظفون قدامى يعملون منذ ثلاث أو أربع سنوات كتبوا تعليقات غريبة
الدكتورة باتريسيا كانت مختلفة في البداية لا نعلم ما الذي حدث لها في العام الأخير كأنها تقاتل شيئا لا نراه كأنها خائڤة من شيء ما.
استدعى رافاييل باتريسيا إلى اجتماع لمناقشة الشكاوى.
وصلت في الوقت المحدد كعادتها تحمل ملفا مرتبا فيه رسوم بيانية وتبريرات.
رافاييل هذه الأرقام ضمن المتوقع تماما لشركة بحجم شركتنا.
قالت بنبرة مهنية ثابتة.
النمو السريع دائما يخلق احتكاكات هذا أمر إحصائي معروف.
لكنه أصر على الحديث عن المعاملة السيئة وعن الضغط المفرط.
تنفست هي بعمق تمرر يدها في شعرها بإرهاق ظاهر.
في أي مؤسسة ستجد أشخاصا لا يتأقلمون لديهم توقعات غير واقعية يريدون مزايا دون نتائج. هذا جزء من الواقع.
كانت كلماتها منطقية لكنها لم ترضه.
كان هناك شيء في نبرة صوتها في الطريقة التي تتجنب فيها النظر مباشرة إلى عينيه عندما يتطرق لموضوعات معينة جعله غير مطمئن.
وماذا عن الشكاوى المتعلقة بمعاملة الموظفين المتعاقدين من الخارج
لمح لثانية عابرة شيئا يمر على وجهها خوف أو شعور بالذنب لم يستطع تحديده.
المتعاقدون لهم عقود مختلفة
قالت بسرعة
العلاقة معهم مختلفة. يجب أن يفهموا هذا. لا يمكن أن يتوقعوا نفس معاملة الموظفين المباشرين.
ولماذا لا
فاجأها السؤال.
لأن لأن هذه هي البنية القانونية هكذا تعمل الأمور.
لكن الاحترام شيء آخر أليس كذلك الاحترام لا علاقة له بنوع العقد.
طبعا الاحترام شيء والمزايا شيء آخر.
نهضت واقفة واضحة الرغبة في إنهاء الحديث
علي الذهاب الآن لدي اجتماع آخر.
وغادرت بسرعة تاركة رافاييل مع أسئلة أكثر من
الأجوبة.
بعد تلك المحادثة اتخذ قراره.
عليه أن يرى بعينيه لا عبر تقارير مصفاة ولا في اجتماعات رسمية يتصرف فيها الجميع كما يجب بل في الواقع الخام للحياة اليومية.
جاءته الفكرة من مصدر غير متوقع.
خلال عشاء مع مستثمرين حكى رجل أعمال فرنسي عن ممارسة يتبناها بعض الرؤساء التنفيذيين في أوروبا
يعملون بهوية مجهولة داخل شركاتهم كموظفين عاديين تحت الغطاء كما تقولون ليروا الحقيقة التي لا تظهرها الأرقام.
بدت الفكرة متطرفة في البداية.
فهو يدير شركة كاملة ولا يمكنه أن يختفي ببساطة.
لكن البذرة زرعت وكلما فكر فيها ازدادت منطقية.
استغرق التحضير وقتا.
رتبت كريستينا مساعدته التنفيذية وهي الوحيدة التي تعرف الحقيقة قصة سفر سري إلى دبي لعقد صفقة استحواذ.
كان طبيعيا أن يبقى خلالها غير متاح لفترات طويلة.
تم ترتيب وثائق مؤقتة عبر شركة توظيف خارجية متخصصة في العمليات الحساسة.
ولد رافاييل سانتوس موظف جديد متعاقد في شركة التنظيف.
شركة الخدمات التي تخدم مجموعة هورزونتي كانت تحتاج دائما لعمال ولم تطرح أسئلة كثيرة.
كانت التحول الجسدي مفاجئا.
ذهب إلى متجر شعبي واشترى ملابس بسيطة بنطال جينز مهترئ قمصان عادية صندلا زهيد الثمن.
ترك لحيته تنمو بضعة أيام ثم رتبها بشكل يجعل مظهره أقل عناية.
تخلى عن جل الشعر المستورد.
عندما نظر إلى نفسه في المرآة لأول مرة بعد اكتمال التحول أصيب پصدمة.
بدون البدلة الفاخرة وبدون قصة الشعر اللامعة ذات الخمسمائة ريال وبدون وقفة الرجل الذي يأمر فيطاع اختفى رافاييل ميندس ببساطة.
في الانعكاس رأى فقط عاملا عاديا آخر من ملايين العمال المجهولين.
كانت الأيام الأولى كاشفة بطرق لم يكن ليتخيلها في مكتبه بالطابق العاشر.
لم يكن أحد يلقي عليه التحية في الممرات.
كان المسؤولون يمرون بجانبه كأنه قطعة من الأثاث.
بعضهم يصطدم به دون اعتذار كأنه لا يملك حتى حق الوجود في ذلك المكان.
كانت الأحاديث تتوقف فجأة عندما يقترب لإفراغ سلة مهملات كأن حضوره يلوث جو الاحتراف.
لكن رافاييل رأى أيضا أمورا إيجابية فاجأته
موظفو التنظيف يتشاركون علب الطعام إذا نسي أحدهم غداءه يساعد بعضهم بعضا بلا انتظار أي مقابل يصنعون كرامتهم الخاصة ومجتمعهم الصغير حيث لا يمنحهم النظام الرسمي أي تقدير.
وراقب باتريسيا ليس فقط في لحظة الإهانة العلنية بل في الأيام التي سبقتها.
رآها تصل السادسة صباحا حين تظن أنه لا أحد يراها ورآها تعمل وحدها في المكتب حتى العاشرة والحادية عشرة ليلا.
رآها تمسك هاتفا يهزها من الداخل ثم تجلس برأس بين يديها دقائق طويلة.
رآها ترفض دعوات الغداء من التنفيذيين مفضلة الاستمرار في العمل بلا توقف.
رأى إنسانة ټغرق وټغرق معها من حولها في أثناء الڠرق.
الآن وهو مبلل مهان أمام الجميع وجد نفسه أمام واقع أعقد بكثير مما تصور حين بدأ تجربته.
لم تعد المسألة حكاية رئيس تنفيذي يكتشف مديرة سيئة ويعاقبها.
بل أصبحت حكاية أشد تعقيدا وانزعاجا
رئيس تنفيذي يكتشف نظاما مكسورا ينتج أشخاصا مكسورين.
وأدرك أنه لم يعد يعرف ما الذي ينبغي أن يفعل.
أنهى تنظيف الماء عن الأرض بمساعدة دونا تيريزا.
اقترب موظفون آخرون من التنظيف في صمت يعرضون مزيدا من المناشف وكلمات صامتة من التضامن.
وصل ويلسون المشرف متأخرا إلى المشهد لكنه فهم فورا ما الذي جرى.
انقبض وجهه في تعبير من استسلام مؤلم.
مرة أخرى
هذا كل ما قاله.
جمع رافاييل الأدوات في العربة بحركات آلية كان عقله في مكان آخر.
نظر إلى باب مكتب باتريسيا المغلق.
من خلال الزجاج المثلم كان يرى ظلا جالسا بلا حراك.
كان جزء منه ما يزال يتوق إلى عدالة بسيطة
أن يدخل الآن يكشف هويته يرى الصدمة في وجهها ويطردها في الحال.
مشكلة محلولة ودرس مستفاد وقصة مغلقة.
لكن جزءا آخر منه أصغر حجما لكنه أكثر إصرارا كان يهمس بأسئلة مؤلمة
وماذا لو كنت أنت جزءا من المشكلة
ماذا لو كنت أنت من خلق الضغط الذي حطمها
ماذا لو كان طردها مجرد استبدال للأعراض دون علاج للمرض
في تلك الليلة