كلّ ليلة كانت حماتي تطرق باب غرفة نومنا عند الثالثة فجرًا، فوضعتُ كاميرا مخفية لأعرف ما الذي تفعله


منها كلما أغمضت عينيها. وفي بعض الليالي كانت تنظر إلي بامتنان خاڤت وكأنها تخبرني دون كلام أنها بدأت تراني للمرة الأولى كما أنا لا كما رسمها الخۏف في ذهنها.
وببطء توقفت طرقات الثالثة فجرا.
تغير شيء في البيت.
عينا مارجريت أصبحتا أكثر دفئا وصوتها أقل ارتجافا وابتسامتها عادت تشق طريقها من جديد خجولة لكنها صادقة.
قال الطبيب إن هذا تقدم. أما أنا فسميته سلاما السلام الذي لم يبن في ليلة واحدة بل تشكل مثل الضوء حين يتسلل تدريجيا إلى غرفة مظلمة.
وفي النهاية أدركت شيئا لم أكن أفهمه من قبل.
أدركت أن شفاء إنسان لا يعني إصلاحه كآلة مکسورة ولا يعني أن الماضي يطوى كما تطوى ورقة وتلقى جانبا. فالجراح التي يخلفها الخۏف لا تغلق بقرار والذكريات التي تربي داخلها الظلال لا تختفي لأنها لم تعد مرغوبة.
الشفاء الحقيقي هو أن نمد يدنا لشخص تائه في عتمته ونمشي معه خطوة بخطوة حتى وإن تعثر. هو أن نبقى بجواره عندما يعود الخۏف ليطرق قلبه وأن نذكره بأن الطريق طويل لكنه ليس وحده فيه.
هو أن نكون نورا بسيطا وصغيرا يكفي فقط لإزاحة الظلام عن الخطوة التالية.
وبمرور الوقت يعود النور إلى قلبه ببطء شديد كأن الحياة تتسلل من جديد إلى بيت ظل طويلا غارقا في الصمت والقلق والخۏف.
وهكذا حين توقفت طرقات الثالثة فجرا لم نحتفل بانطفاء الصوت بل احتفلنا بعودة الروح.
احتفلنا بقدرة إنسان جريح على أن يثق مرة أخرى وعلى أن يفتح قلبه للحياة بعد أن عاش عقودا خلف أبواب مغلقة وهو ينتظر خطړا لن يعود أبدا.
كان ذلك انتصارا صغيرا لكنه كان أعظم سلام عرفناه.