حكاية الشعر الأخير وحكاية الروح التي لم تنكسر

كيف يلمع رأسي أشعر أن الهواء يلمسني!
رفعت الأم الطفلة واحتضنتها ومررت يدها على رأسها برفق فابتسمت تشارلي ابتسامة واسعة.
كانت تلك الابتسامة البسيطة ظاهريا أعظم من كل الكلمات التي كان يمكن أن تقال.
بدأت الأيام التالية بروتين جديد.
لم يعد هناك مشط ولا عقدة شعر ولا صراع صباحي يبدأ بالدموع.
كانت تشارلي تشعر بخفة.
وكانت الأم تشعر بأنها تخلصت من عبء لم تكن تدرك حجمه.
أما المړض فكان موجودا حاضرا لا يرحل بسهولة.
لكن شيئا فيه تغير.
لم يعد قادرا على أن يكون سيد اللحظات جميعها.
كانت روح تشارلي تلك الروح الصغيرة التي لم تنكسر تسرق منه المساحة يوما بعد يوم.
حتى الأطباء لاحظوا ذلك.
لاحظوا أن الطفلة أصبحت تبتسم أكثر وتتكلم أكثر وتتحرك بثقة أكبر.
ورغم أن جسدها كان مرهقا إلا أن قلبها كان أقوى.
كانت الأم
تراها يوما بعد يوم وتفكر
أي معجزة هذه التي تختبئ داخل طفل صغير
من أين يأتي كل هذا النور
وكانت كل مرة تمسك فيها رأس ابنتها تمسحه ببطء تشعر بأنها تمسح قلبها هي وتعيد ترتيب أجزائه.
ثم جاء ذلك المساء الذي جلستا فيه معا على الأريكة في غرفة المعيشة بعد يوم طويل من الفحوصات.
كانت تشارلي مرهقة لكنها تبتسم كما تفعل دائما.
قالت لها فجأة
أتعلمين يا ماما أحيانا أشعر أن شعري لم يذهب. فقط أصبح خفيفا مثل الهواء.
تجمدت الكلمات في فم الأم.
لم تكن تعلم أن الطفلة تفكر بهذا العمق.
كانت تظن أنها تتقبل الأمر بسطحية طفولية.
لكن ما سمعته كان شيئا أكبر بكثير.
قالت الأم وكيف تشعرين الآن
أجابت تشارلي وهي ترفع كتفيها وتبتسم
أشعر أنني أنا فقط بدون شعر.
ضحكت الأم من قلبها ضحكة ناعمة لكنها مليئة بالراحة وضمت الصغيرة إليها بقوة كما لو أنها تخشى أن يسرق العالم منها تلك اللحظة.
مرت الأسابيع وظلت ابتسامة تشارلي جزءا لا يتجزأ من يومياتهما.
كانت الأم تقول في داخلها دائما
لقد أخذ المړض الكثير لكن شيئا واحدا لم يستطع أخذه أبدا نورها.
وبعد فترة حين عادت إلى صور تشارلي القديمة الصور التي كانت فيها بخصلات شعر ذهبية ناعمة لم تبك كما كانت تفعل في البداية.
لم تشعر بفقدان.
بل شعرت بنوع غريب من السلام كأن الصور أصبحت بوابة لذكرى جميلة لا لمأساة.
وعندما سألوها لاحقا عن يوم قص الشعر قالت
كنت أظن أنني أفقد جزءا منها لكن ما حدث هو العكس. لقد رأيت حقيقتها تشرق. ورأيت أن لا شيء يمكن أن يخفت نورها. لا المړض ولا الخۏف ولا الألم.
أما تشارلي فقد ظل ذلك اليوم بنظرها يوما عاديا لكنه جميل.
يوما لم تشعر فيه بأنها تفقد شيئا بل بأنها تكسب شيئا جديدا.
شعورا بالخفة الحرية والراحة.
وكانت تقول دائما
ذلك اليوم جعلني أطير.
ولسنوات طويلة بعد رحيلها
كانت الأم تستعيد اللحظة نفسها ولا ترى دموعا ولا ترى مرضا ولا ترى خصلات شعر تتساقط
كانت ترى شيئا واحدا فقط
طفلة صغيرة تقف أمام المرآة وتضحك.
ضحكة تملأ المكان كله وتبقى حية حتى بعد غياب الجسد.
لأن ذلك اليوم لم يكن وداعا
كان ولادة جديدة.
ليس لشعر بل لروح.
روح كانت أقوى من المړض وأقوى من الألم وأقوى من النهاية نفسها.
وفي كل مرة تغمض فيها الأم عينيها تسمع تلك الجملة التي غيرت كل شيء
إنه شعور رائع يا ماما.
وتبتسم.