دخلت عندي امي في المطار وانا في الثامن من عمري

قصص عن ناس تم نسيانهم، وتُركوا خلفهم، ومع ذلك شقّوا طريقهم نحو العظمة.

في الثانوية، كنت الأولى على مدرستي، أشتغل شغلين جزئيين، وقائمة منح دراسية معلّقة فوق سريري.
ما كانش عندي عيلة، بس كان عندي هدف: أعمل حياة قوية لدرجة إن محدش يقدر يتخلى عني تاني.

عند بلوغي الثامنة عشرة، التحقت بإحدى أفضل الجامعات في البلاد. حزمت أشيائي القليلة — ومعي الصورة القديمة — وتركت نظام الرعاية خلفي.

بعد عشر سنوات، كنت واقفة في نفس قاعة الوصول بالمطار نفسه.
لكن المرة دي، ما كنتش الطفلة الضايعة.

كنت امرأة ترتدي بدلة أنيقة، عائدة من رحلة عمل، مؤسسة لجمعية خيرية ناجحة تُساعد الأطفال المهجورين.

وأنا ماشية قرب المقعد اللي نمت عليه زمان وأنا ببكي، شُفت حاجة خلت قلبي يتجمد.

كانت هي.

أمي.

جالسة قرب سير الحقائب، أكبر سنًا، شعرها اللي كان لامع بقى فيه خصلات رمادية. ملابسها الغالية ما قدرتش تخفي التعب في وجهها. بجانبها زوجها — صار سمينًا، متجهمًا — والتوأمان المراهقان ملتصقان بهواتفهم.

تجمدت مكاني. صدري ضاق، والذكريات اندفعت في وجهي.

رفعت رأسها... ونظرت لي.
لحظة طويلة ثقيلة، وبعدين بدأت أمشي ناحيتها.

قالت بصوت مرتجف:
"كبرتي... كنت عارفة إنك هتبقي بخير."

ابتسمت بهدوء، وقلت:
"كنتي صح في حاجة واحدة... فعلاً اتعلمت الاستقلال — بالطريقة الصعبة."

زوجها تمتم وهو مستاء:
"إيه الموضوع دا؟ إنتِ تعرفيها؟"

قالت بهدوء، والندم بيملأ صوتها:
"أيوه... دي بنتي."

التوأمان رفعوا نظرهم بدهشة:
"إيه؟ عندِك بنت تانية؟"

بصيت لهم وقلت بهدوء:
"ما تقلقوش... مش جاية أخرّب أجازتكم."

ساد صمت كثيف، كأنه الهواء نفسه توقف. ثم قلت:
"بس حبيت أقولك حاجة... أنا نجحت. من غيرك."

استدرت لأرحل، لكن قبل أن أمشي، قلت الجملة اللي حملتها معي من سن الثامنة:
"لسّه الحكاية مخلصتش... لأني أنا اخترت إنها ما تكونش نهايتي."

في تلك الليلة، عدت إلى شقتي وفتحت حقيبتي القديمة — نفس الحقيبة اللي كنت شايلها يوم المطار.
فيها كانت الصورة، باهتة ومجعدة. وضعتها في إطار على مكتبي، بجانب صور الأطفال اللي ساعدتهم جمعيتي.

في مكانٍ عميق داخلي، كنت قد سامحتها — مش لأنها تستحق، لكن لأنني أنا أستحق السلام.

حوّلت ألمي إلى هدف.

ورغم إن الطفلة الصغيرة وقفت وحيدة يومًا في المطار،
النهارده وقفت شامخة، محاطة بحيواتٍ غيّرتها.

همست مرةً أخرى، لكن هذه المرة بصوتٍ قوي لا يعرف الحزن:
"لسّه الحكاية مخلصتش... دي بس البداية."
تمت