ربيت ابني


يوما حين كان يتحدث بتلك القناعة الهادئة.
وبعد رحيله نفذت وصيته.
كنا قد اشترينا تلك الأرض في مين منذ سنوات منزلا متداعيا على سبعة أفدنة من الأرض البرية الجميلة الممتدة حتى البحر.
وبعد ۏفاته بعت مشغلي في بوسطن وعدت إلى مين.
كان غرايسون يعيش هناك بالفعل مع بيل في منزلي وظننت بسذاجة الأرملة التي تبحث عن دفء العائلة أننا قد نبدأ من جديد معا.
أحضرت معي صك الملكية.
احتفظت به مع أوراقنا المهمة داخل صندوق معدني مقاوم للڼار في أسفل صندوق الأمل القديم خاصتي.
ليس لأنني كنت أخطط لشيء ولا لأنني شككت في ابني
بل فقط لأن زوجي طلب مني ذلك.
لكن غرايسون لم يتقبل فكرة أنني ما زلت أملك العقار.
في البداية كانت أشياء صغيرة 
تعليقات لاذعة على العشاء عن كوني لا أعامله كرجل البيت.
أسئلة مموهة بالسخرية مثل
ما زلت تظنين أني ذلك المراهق الذي سرق عشرين دولارا من محفظتك وأنا في الخامسة عشرة
ثم وببطء توقفت النكات عن كونها نكات.
في صباح ما حين ناولته الكريمة مع قهوته نظر إلي وقال ببرود
أنت لا تثقين بي أليس كذلك لم تفعلي قط. لم تنظري إلي يوما كرجل بل كعبء اضطررت لحمله أكثر مما ينبغي.
أما بيل فكانت كالعادة مهذبة بطريقة مصطنعةتلك الرقة الزجاجية التي تخفي وراءها احتقارا لا يحتاج إلى مجهود. كانت تعانقني بجسد متصلب بذقن مرفوعة وكأنها تتجنب أن تلمسني حقا. تمتدح طعامي وكأنه عمل خيري غير متوقع.
كانت تتصرف وكأن وجودي في البيت عيب في ديكورها قطعة أثاث قديمة لا تعرف كيف تتخلص منها.
لكن عندما أصبحت مسألة الأرض محور الخلاف تحول ازدراؤها إلى رواية كاملة وأصبحت هي الراوية وأنا الشريرة في قصتها.
سمعتها ذات يوم تتحدث عبر الهاتف بصوت مرتفع ومهمل ظنت أنني في الحديقة
هي تعيش من أجل السيطرة تخزن العقارات والذكريات كما يخزن العجائز الحبوب. هي العفن تحت ورق الحائط. نحاول أن نعيش حياة عصرية بسيطة لكنها دائما في الخلفية بمئزرها المغبر وتلك النظرة التي تحكم على كل شيء. إنها مثل رائحة كريهة لا يمكن التخلص منها.
كان ذلك اليوم الذي توقفت فيه عن الخبز لهم.
اليوم الذي أدركت فيه أنني لم أعد الأساس الهادئ الذي يبنون عليه حياتهم بل أصبحت الشق في الجدار الذي يحاولون طمسه.
لم تكن المسألة تتعلق بالأرض فقط. لم تكن يوما كذلك.
كانت تتعلق بفكرة أنني ما زلت أملك جزءا من القوة شيئا لا يملكونه وأن وجودي نفسه يعكر صفو صورتهم المثالية.
وبيل كانت دوما تهتم بالصورة أكثر من الأشخاص.
تحول بيتي إلى معرضها الخاص.
علقت صورة كبيرة مؤطرة لأمها في غرفة المعيشة بعد أن خبأت الصورة الوحيدة التي جمعتني بزوجي توماس.
وحين سألتها عنها ابتسمت ابتسامة لزجة وقالت
لقد كانت لا تتناسق مع اللون الجديد للجدران.
ومع مرور الوقت بدأوا يمحونني تدريجيا.
صرت مجرد صوت خطوات خاڤتة في الممر باب يفتح ويغلق بلا أثر.
كنت أختفي.
وكلما حاولت أن أتكلم أن أقاوم هذا المحو وصفت بأنني صعبة درامية كثيرة العواطف.
هكذا في روايتهم أصبحت الأم التي لا يريد أحد أن يتذكرها.
وبذلك سهل عليهم أن ينسوا أنهم أحبوني يوما بأن يقنعوا أنفسهم أنني لم أكن جديرة بالحب أصلا.
لكنني تذكرت.
تذكرت كل شيء.
تذكرت من أكون.
وأدركت وأنا جالسة في تلك الغرفة الباردة في النزل الرخيص أنه إن كانوا قد أعادوا كتابة قصتي فقد حان الوقت لأن أكتب نهايتي بنفسينهاية لا تطلب إذنهم ولا تنتظر شفقتهم.
لأنهم أرادوا محوي وسيتعلمون الآن ما يعنيه أن يمحى المرء حقا.
جاءت أولى ثلوج الشتاء يوم اثنين بهدوء ودون

إعلان.
استيقظت على عالم شاحب