كان زوج أمي عامل بناء لمدة 25 عاما


المرات. كان الخط مرتجفا بالكاد مقروءا لكن كل حرف منها كان أقوى من ألف محاضرة عن الإصرار. شعرت حينها أني أحمل على عاتقي ليس فقط حلمي بل تعب رجل أفنى عمره ليضعني في هذا المكان. تلك الورقة ظلت ترافقني لسنوات وضعتها داخل دفتر ملاحظاتي ثم في محفظتي حتى أصبحت جزءا من قلبي.
مرت الأيام ثقيلة كنت أعمل ليلا في مكتبة الجامعة كي أستطيع شراء الكتب والمراجع. أحيانا كنت أتناول عشاء من الخبز الجاف والماء فقط وأحيانا كنت أستيقظ قبل الفجر لأراجع دروسي على ضوء المصباح الوحيد في الغرفة. لم أكن أشعر باليأس أبدا لأن صوت تاتاي كان يرافقني في رأسي
حتى لو سقط الطوب من يدك لا تترك الأساس ينهار.
كان يتحدث عن البناء لكنه علمني كيف أبني نفسي.
في كل عطلة صيفية كنت أعود إلى البلدة الصغيرة أجد تاتاي بن في مكانه المعتاد بين أكوام الرمل والحديد يبتسم لي حين يراني من بعيد كأن التعب يتبخر من جسده. كان يفخر بي أمام زملائه يقول لهم بابتسامة متواضعة
هذا الولد سيصبح دكتورا وأنا من رفع له أول حجر.
كنت أضحك بخجل لكنه كان جادا تماما.
عندما التحقت بمرحلة الماجستير بدأ المړض يزحف إلى جسده. ظهره لم يعد يحتمل كما في السابق وسعاله صار أقوى من صوته. حاولت أن أثنيه عن
العمل لكنه رفض
من سيبني إذا توقفت العمل هو ما يبقيني حيا يا بني.
وذات يوم عدت من الجامعة لأجده جالسا تحت شجرة المانجو في الفناء يضع على ركبته منشفة مبللة يحدق في الأفق. جلسنا صامتين طويلا ثم قال بصوت خاڤت
هل تعلم كلما وضعت طوبة في مكانها أتخيل أني أضعها في بيت أحلامك.
تلك الجملة لم تخرج من رأسي أبدا.
حين بدأت مرحلة الدكتوراه تغير كل شيء. لم يعد الأمر دراسة فقط بل صراع يومي مع الوقت واللغة والمراجع والقلق والإرهاق. كنت على وشك الاستسلام أكثر من مرة لكن كلما خطړ لي ذلك تذكرت يديه المشققتين والورقة الصغيرة ووجهه حين يبتسم بفخر أمام الناس. كنت أقول لنفسي لو كنت تملك نصف صلابته فلن تتراجع.
وفي إحدى الليالي الباردة كنت أعمل على فصلي الأخير في الرسالة حين رن هاتفي. كانت أمي تبكي. قالت إن تاتاي سقط في موقع البناء بعد يوم عمل طويل. قلبي تجمد. سافرت فورا قضيت الليل بجانبه في المستشفى وهو يبتسم لي رغم أنفاسه المتقطعة. حاولت أن أخفي دموعي لكنه ربت على يدي وقال
لا تبك يا بني. لقد وصلت بعيدا. تذكر فقط مهما صرت عاليا حافظ على قدميك ثابتتين على الأرض.
ضحك بخفة ثم أغمض عينيه لينام. تلك كانت آخر مرة رأيته فيها يعمل. بعد أسابيع من الراحة تحسن قليلا لكنه لم يعد كما كان. ومع ذلك كان أول من اتصل بي