امرأةٌ لغير أولادها، صارت لهم أمًّا

 

الجيران لا يزالون يراقبون، لكن هذه المرة بصمت واحترام. "كيف استطاعت هذه المرأة أن تجمع خمسة أطفال، لا فرق في قلبها بينهم؟" كانوا يسألون أنفسهم بدهشة.

لكنّها، في داخلها، كانت تُخفي شيئًا... ألمًا لا يشبه أي ألمٍ جسدي.

في إحدى الليالي، وبعد أسابيع قليلة من الولادة، وبينما كانت تُرضع صغيرتها، شعرت بشيءٍ غريب. ضيق في التنفّس، دوخة، تعرّق بارد. حاولت أن تُخفي الأمر، ولكن ابنها الأوسط دخل فجأةً إلى الغرفة ورآها وجهها شاحب وعيناها دامعتان.

– "ماما! شو صاير معك؟!"

ابتسمت له بصعوبة: = "ما في شي حبيبي، بس تعب... رح يروح."

ولكن التعب لم يذهب. وبعد أيام من الإنكار، قررت أن تزور الطبيب من جديد، خلسة، دون أن تُخبر أحدًا. وبعد فحوصات كثيرة، جاءها الخبر كصڤعة على قلبها:

"عندك ورم... متقدّم."

أطبقت على فمها، كأنها تمنع صرخةً لا يجب أن تُسمع. لم تبكِ أمام الطبيب. لم تسأل عن التفاصيل. كانت تفكر فقط في شيء واحد:

"الخمسة... أولادي. شو رح يصير فيهم إذا غبت؟"

عادت إلى البيت، وحياتها تغيرت في لحظة. قررت ألا تخبر أحدًا. لم ترد شفقة، ولا دموع، ولا دعوات مبعثرة. أرادت أن تحيا ما تبقى، لا أن ټموت قبل موعدها.

صارت تُعانق أولادها أكثر، تقبّلهم بلا سبب، تكتب لهم رسائل صغيرة تخبئها بين كتبهم، وتُعلّم الأكبر منهم كيف يُعدّ الطعام وكيف يعتني بإخوته.

كان زوجها يلاحظ تغيّرها، لكنّه ظنّه تعب الولادة.

مرت شهور، ثم سنة... كانت تُقاوم المړض بصمتٍ عظيم، وتُحب بصوتٍ عالٍ.

حتى جاء اليوم الذي لم تستطع فيه النهوض من الفراش.

أخبرت زوجها بالحقيقة، فانهار. لكنه لم يخبر الأولاد. لم تكن تريد ذلك. طلبت فقط أن يجلسوا معها، جميعًا، في تلك الليلة. فجلسوا.

خمسة وجوه... تنظر إليها بحب.

قالت بصوت مبحوح:  "إذا بكرا ما كنت معكم، تذكروا دايمًا إني كنت أمكم عن حب، مش عن واجب. وربيتكم بقلبي قبل بيتي."

دموع انهمرت من عيون لم تعرف من قبل سوى الأمان معها.

وفي صباح اليوم التالي، رحلت.

لكنها لم تتركهم أيتامًا...

تركتهم أقوياء، محبوبين، ممتلئين بالحب والحنان، حاملين اسمها في دعائهم، وذكراها في كل تفاصيل البيت.

لم تُخلّدها وسائل الإعلام، ولم تُكرّمها الجمعيات، لكنها خُلّدت في خمس قلوب... لن ينسوا يومًا أن امرأة لم تكن مجبرة، أحبتهم وكأنهم قطعة من روحها.

نهاية القصة... وبداية ذكرى لا ټموت.