امرأةٌ لغير أولادها، صارت لهم أمًّا

في حيّ هادئٍ من أحياء طرطوس، ساد الحزن فترة طويلة بعد ۏفاة امرأة شابة تركت خلفها ثلاثة أطفال أكبرهم لم يتجاوز العاشرة من عمره، وأبًا لا حول له ولا قوة سوى بعمله الشاق في التنقل بين المحافظات. كان يعود لأسبوع واحد فقط كل شهر، محمّلًا بالهموم والحنين.

مرت شهور قليلة، حتى فوجئ الجيران بخبرٍ غريب: الأب قرر الزواج من امرأة مطلّقة، في منتصف العشرينات، جميلة وأنيقة، عُرف عنها أنها لا تنجب. كانت الصدمة في أعين الجميع لا تُخفى؛ "هل يُعقل أن تقبل فتاة كهذه بتربية ثلاثة أطفال ليسوا من صلبها؟"، تساءلوا.

لكن الأيام كانت كفيلة بكشف الوجه الحقيقي لهذه المرأة. تحوّل الأولاد شيئًا فشيئًا... نظافتهم، دراستهم، سلوكهم وحتى ضحكاتهم التي غابت طويلًا، بدأت تعود. صارت تأخذهم إلى النوادي الرياضية، تعلّمهم أدب الحديث، تتابع دروسهم، وتُضحكهم كما لو كانت أمّهم فعلاً.

لم يُسمع صوتها يومًا يعلو، لم تُؤذِ أحدهم، بل كان البيت يمتلئ بالسکينة. أحبتهم من قلبها، وكانوا يُبادلونها هذا الحب بطريقتهم البريئة الصادقة.

حتى جاء ذاك اليوم... حيث بدأت تشعر بآلام شديدة في بطنها. ظنّت في البداية أنها مجرّد تعب. لكنها قررت الذهاب للطبيب.

النتيجة؟ صدمة.

"أنتِ حامل"، قالها الطبيب بثقة.

ضحكت، ثم شهقت، ثم بكت. كيف تكون حاملاً وهي التي قيل لها سابقًا أن الحمل مستحيل؟! تأكدت من طبيبين آخرين، وجاءت المفاجأة الأكبر: "أنتِ حامل بتوأم، ذكر وأنثى!"

رجفت الكلمات في فمها، وڠرقت عيناها بدموعٍ لا تنتهي... فرحة عمر كامل تجمعت في لحظة واحدة. أصبحت أمًّا بالفعل، ليس فقط بالقلب، بل بالجسد أيضًا.

لكن الفرحة لم تدم طويلاً...

قبيل ولادتها بشهر، قال لها زوجها بهدوء: – "عند الولادة، سأترك الأولاد عند أختي ريثما تعودين من بيت أهلك."

تجمّد وجهها، وتغيّر صوتها:  "والله لا يحدث. سيبقون معي، في ولادتي، في غربتي، في فرحي وفي ألمي... هؤلاء أولادي."

لم يكن في صوته اعتراض، فقد رأى في عينيها تلك النظرة التي لا يُجادل فيها أحد.

في ليلة الولادة، اقترب منها ابنها الأكبر وهمس: – "إذا كانت البنت، سميها على اسم أمي..."

ابتسمت له وسط ألمها، ووعدته. وصدقت. وعندما وُلدت الصغيرة، حملتها وقالت: "اسمك كما أراد أخوك... اسم أمّه التي لم يعرفها، وسأعلمك عنها كلّ شيء."

لكن...

ما لم يعرفه أحد، أن فرحتها العظيمة كانت تُخفي خلفها شيئًا آخر... سرًا سيقلب كل شيء رأسًا على عقب.

مرت الأيام الأولى بعد الولادة بسلاسة رغم تعبها. عادت إلى بيتها وهي تحمل بين ذراعيها توأمًا من النور، وتستقبل في عينيها نظرات ثلاثة أطفال كأنهم إخوةٌ صغار للمواليد الجدد، رغم أنهم ليسوا كذلك.