زوجي طلب الطلاق… وكأنه يقدّم معاملةً روتينية في دائرةٍ حكومية، بلا تردّدٍ ولا تبرير…

رفع زوجي، حيدر، دعوى الطلاق ثم وقفت ابنتي، زهراء، ذات الأعوام العشرة، أمام القاضي وقالت
سيدي القاضي هل يمكنني أن أريك شيئًا لا تعرفه أمي؟
وعندما بدأ عرض الفيديو
ساد صمتٌ مطبق في قاعة المحكمة بأكملها
رفع زوجي دعوى الطلاق كما لو كان يتقدّم بأي معاملةٍ عادية.
لا حوار. لا محاولة للفهم. ولا حتى نظرة واحدة في عيني.
مجرد ظرفٍ من المستندات وُضع في مكتب الاستعلامات في عملي،
مع ملاحظة مرفقة تقول
من فضلكِ لا تُصعّبي الأمر.
هكذا كان حيدر
مهذّبًا دائمًا، حتى حين يختار أن يكون قاسيًا.
أراد الحضانة الكاملة لابنتنا، زهراء، البالغة من العمر عشر سنوات،
وادّعى أنني غير مستقرة، وغير مسؤولة ماليًا، ومضطربة عاطفيًا.
قدّم نفسه أبًا هادئًا، واثقًا، ومنظّمًا،
ولأن مظهره كان متقنًا، وصوته منخفضًا صدّقه الجميع.
في قاعة المحكمة، لم يثبت نظره في وجهي أكثر من ثانيتين،
ثم أشاح بوجهه، كأنني ذكرى مخزية تخلّص منها منذ زمن.
جلست زهراء إلى جواري، بجانب محاميتي، في أولى الجلسات،
وقدماها لا تلامسان الأرض، ويداها متشابكتان برفقٍ مؤلم
حتى شعرتُ بأن قلبي ينقبض.
لم أكن أريدها أن تكون هناك،
لكن حيدر أصرّ، وقال إن وجودها سيساعد القاضي على رؤية الحقيقة.
وكانت الحقيقة في نظره
أن تشاهد ابنتنا والديها ينهاران أمام عينيها.
بدأ محامي حيدر بالكلام، بصوتٍ هادئٍ مُتقن
السيد حيدر هو المسؤول الأساسي عن رعاية الطفلة،
هو من يتابع دراستها، ويوفّر لها الاستقرار.
أما السيدة فتعاني من تقلباتٍ مزاجية غير متوقعة،
وقد عرّضت ابنتها لمواقف غير لائقة.
مواقف غير لائقة
كدت أضحك، لولا أن حلقي كان ېحترق.
كان لديّ دليل
رسائل، كشوفات حساب،
ليالٍ لم يعد فيها إلى المنزل،
وأموال حوّلها إلى حسابات لم أكن أعلم بوجودها.
لكنهم طلبوا مني أن أهدأ
أن أترك لمحاميتي إدارة الأمر،
وأن تُقدَّم الأدلة في وقتها المناسب.
ومع ذلك، ظل وجه القاضي محايدًا
ذلك الحياد الذي يجعلك تشعر بأنك غير مرئية.
وفي اللحظة التي انتهى فيها محامي حيدر من حديثه
تحرّكت زهراء في مقعدها.
رفعت يدها
صغيرة لكنها حازمة.
الټفت الجميع.
وتوقف قلبي.
همستُ زهراء أحاول تهدئتها،
لكنها وقفت، ونظرت إلى القاضي بعينين لا تشبهان عيني طفلة.
قالت بصوتٍ مرتجفٍ شجاع
سيدي القاضي هل يمكنني أن أريك شيئًا لا تعرفه أمي؟
ساد صمتٌ عميق حتى كأن الهواء اختفى.
الټفت حيدر نحوها فجأة
وللمرة الأولى، فقد رباطة جأشه.
قال بحدّة
زهراء، اجلسي.
لكنها لم تجلس.
انحنى القاضي قليلًا إلى الأمام وسأل
ما الذي تريدين أن تُريني؟
ابتلعت ريقها، ثم قالت
فيديو على جهازي اللوحي. احتفظتُ به لأنني لم أعرف لمن أخبر.
انقبضت معدتي.
فيديو؟
وقف محامي حيدر فورًا
سيدي القاضي، نحن نعترض.
رفع القاضي يده مقاطعًا
سأسمح بمراجعته بشكلٍ خاص أولًا، قبل البت في قبوله.
ثم نظر إلى زهراء وسأل
لكن لماذا لا تعلم والدتكِ بهذا؟
ارتجف ذقنها، وهمست
لأن أبي قال لي لا أخبر أحدًا.
في تلك اللحظة
شحب وجه حيدر.
ولأول مرة منذ بداية الجلسة، بدا حيدر ذلك الرجل الهادئ المتماسك خائفًا حقًا.
أشار القاضي إلى الكاتب ليتقدّم ويأخذ الجهاز اللوحي من يد زهراء، فناولته إيّاه بأصابع مرتجفة، لكن بثباتٍ لن أنساه.
ظللتُ أنظر إليها في