جوزي اتخلى عننا حكايات زهرة

جوزي سابني وهرب لما عرف إن ابني اللي لسه مولود هيكون قعيد.. بس بعد ٢٥ سنة، الدنيا دارت وعلمه القدر درس عمره ما هينساه.
أنا دلوقتي عندي ٤٩ سنة.. لما مدحت مشي وسابنا، مكنش فيه خناق ولا رزع أبواب، كان فيه بس سكوت مفاجئ وتقيل، زي السكوت اللي بيسبق العاصفة.
ابني كان لسه يدوب مكمل ساعات، نايم في حضڼي، لما الدكتور دخل وقال بصوت واطي وهادي للأسف، ابنكم مش هيقدر يمشي، وهيفضل طول عمره على كرسي متحرك.
أنا كنت في حالة ذهول، مسمعتش غير صوت مفاتيح مدحت وهي بتخروش في إيده. مبصش لابنه ولا بصه واحدة.. قال جملة واحدة بردت ڼاري
أنا مش حمل الكلام ده.. أنا متجوزتش عشان أعيش الحياة دي!
وخرج من أوضة العمليات كأنه خارج من مشوار متأخر عليه.. وسابني لوحدي.
من اللحظة دي، مكنش فيه في الدنيا غيري أنا وياسين.
السنين اللي مرت مكنتش سهلة ولا بطولية زي الأفلام، كانت سنين مھددة، غالية، وكنت فيها وحيدة بجد. عافرت مع الدكاترة، واستحملت نظرات الشفقة من الناس في الشارع، واتعلمت إزاي أشيل طفل محتاج رعاية ٢٤ ساعة.
بس ياسين كبر وبقى راجل.. مش بس بجسمه، لا.. بروحه.
رفض إن حد يبصله بقلة.. فاكرة مرة في المدرسة لما المدير لمح إنه ممكن ميكملش تعليم بسبب ظروفه، ياسين رد عليه بكل هدوء حضرتك تقصد مش هقدر جسدياً.. ولا عشان فاكرني غبي؟
مع الوقت، الۏجع ده اتحول لهدف.. قالي يا ماما، أنا عايز أكون الشخص اللي في الكشف بيكلم المړيض، مش بيتكلموا عليه.
وفعلاً، مرت السنين وحقق حلمه.. وتخرج من كلية الطب، وكان الأول على دفعته.
قبل حفلة التخرج بكام يوم، لقيت ياسين قاعد على ترابيزة المطبخ، حاطط إيده على راسه وساكت.. وياسين مش متعود يسكت إلا لو فيه حاجة كبيرة شاغلة باله.
سألته مالك يا حبيبي؟
بصلي وقالي أبويا اتصل بيا.
حسيت بكهرباء في جسمي.. ٢٥ سنة مسمعناش صوته!
كمل ياسين عايز ييجي.. سمع إني بقيت بتمشي!
طبعاً.. مدحت ميعرفش غير المظاهر.
جزء مني كان عايز ېصرخ ويقوله لأ، عايزة أحمي ابني منه.. بس ياسين قالي بهدوء أنا عزمته يا أمي.
يوم الحفلة، القاعة كانت زحمة.. ومدحت دخل بكل ثقة، لابس بدلة شيك وبيبتسم وكأنه هو اللي ربى وكبّر! كنت هتمطق من الغيظ بس سكت عشان خاطر ابني.
ياسين كان وشه مبيتغيرش، قاله ببرود مساء الخير يا دكتور مدحت.
مدحت ضحك وقاله عفارم عليك يا بطل.. لا كرسي ولا عكاز، ده أنت مفيش حتى عرج في مشيتك!
ياسين رد عليه بكلمة واحدة تفتكر؟
قبل ما مدحت يرد، العميد نده على اسم ياسين عشان التكريم الأخير.. القاعة كلها وقفت تسقف من قبل ما يوصل للميكروفون.
ياسين بص للقاعة كلها وقال
الناس فاكرة إن دي قصة عن إصراري أنا.. بس الحقيقة، أنا واقف هنا النهاردة عشان أمي