رجعت من شفت ١٨ ساعه

رجعت من شفت 18 ساعة ولقيت بنتي نايمة.. وبعد ساعات حاولت أصحيها، مكنتش بترد عليا. واجهت أمي وقالت لي ببرود: 'كانت عاملة دوشة وصدعتني، فإديتها حبوب تسكتها وتنام!' أختي ضحكت وقالت: 'أهي نامت، ولو مصحيتش، أخيراً هنرتاح من صداعها!' طلبت الإسعاف، ولما استلمت التقرير الطبي.. جالي ذهول!
صوت لمبات الفلورسنت في طرقة المستشفى كان بيزن في دماغي كأنه بيحفر فيها.
اسمي إياد. أنا ممرض طوارئ بقالي أكتر من عشر سنين. شفت في مهنتي دي مصايب وحوادث الناس مابتشوفهاش غير في الكوابيس، واتعلمت إزاي أحافظ على ثباتي وصوتي ميرعش حتى لو كنت ھموت من الړعب. بس مفيش حاجة في تدريبي ولا في حياتي كلها كانت تقدر تجهزني للحظة اللي تكون فيها "المړيضة" اللي داخلة على ترولي الإسعاف هي بنتي.. حتة مني.
كنت لسه مخلص ماراثون شفت 18 ساعة متواصلة. لما فتحت باب الشقة الساعة 2 الصبح، "ليلى" كانت نايمة، جسمها الصغير اللي عنده 5 سنين كان متكوم على طرف السرير. كان شكلها هادي وزي الملاك. وشوشت لها "تصبحي على خير"، وماكنتش أعرف إن "الوحوش" مكنوش تحت سريرها.. الوحوش كانوا قاعدين في الصالة بيشربوا قهوة!
أنا عايش مع أمي "عفاف"، وأختي الصغيرة "نادية"، والاثنين بيتعاملوا مع "ليلى" وكأن وجود طفلة عندها 5 سنين في حياتهم دي "إهانة شخصية" ليهم.
تاني يوم الساعة 10 الصبح، السكوت خبط في وشي. مفيش غنى، مفيش صوت لعب بتقع، مفيش طلبات للفطار. رحت أوضة ليلى.. لقيتها نايمة في نفس الوضع اللي سبتها فيه من 8 ساعات!
قلت لها وصوتي لسه فيه نوم: "ليلى، حبيبتي.. يلا قومي."
ماتحركتش. حطيت إيدي على كتفها وهزيتها بالراحة: "ليلى؟"
مفيش رد.
كانت "چثة" تحت إيدي. في اللحظة دي، "الممرض" اللي جوايا هو اللي صحي وسيطر على "الأب". شفت نَفَسها.. كان ضعيف ومرعب، ومتقطع. جلدها كان بارد وعرقان. رفعت جفن عينها.. ولقيت إنسان العين واسع جداً ومبيتحركش مع ضوء الصبح.
قلبي كان بيدق زي الطبلة.. إيه اللي حصل في البيت ده وأنا نايم؟!
خرجت للصالة وأنا مڼهار وپصرخ فيهم: "إيه اللي حصل لليلى؟!"
أمي رفعت كوباية القهوة بمنتهى البرود وقالت: "كانت بتزن وصدعتني، وإحنا عاوزين ننام.. فإديتها كام حباية من بتوعي عشان تسكت وتخمد."
أختي نادية ضحكت بسخرية وقالت: "ما تكبرش الموضوع يا إياد، أهي نامت وبقت هادية.. ولو مصحيتش، يبقى أخيراً هنرتاح من دوشتها اللي مابتخلصش!"
في اللحظة دي، طلبت الإسعاف وأنا مش شايف قدامي. ولما وصلنا المستشفى، الدكاترة خدوا بنتي وجريوا بيها على العناية.
وبعد ساعة، الدكتور خرج ومعاه التقرير.. وبص لي نظرة عمري ما هنسى قسۏتها.
التقرير مكنش بيقول إنها خدت "منوم" بس.. التقرير كشف سر أسود أختي وأمي كانوا مخبينه بقالهم شهور، حاجة خلت دمي يتجمد في عروقي وأعرف إن بنتي كانت پتتعذب في غيابي كل يوم!
الدكتور مسك إيدي وقعدني على الكرسي، وقال بصوت هامس ومحمل بالأسى: "إياد.. إنت ممرض وعارف إن الحبوب المنومة اللي والدتك بتاخدها دي قوية جداً على طفلة.. بس المشكلة مش في جرعة النهاردة بس."

بصيت له بذهول: "يعني إيه يا دكتور؟"

فتح التقرير وشاور على نتايج التحاليل: "بنتك ډمها محمل بنسبة عالية جداً من (مادة الړصاص) ومواد تانية كيميائية مابتجيش من المنوم.. الماد دي (سمۏم بطيئة) كانت بتتحط لها في الأكل والشرب بقالها شهور! ليلى مكنتش بتنام النهاردة عشان المنوم، ليلى جسمها كان بينهار بالتدريج، والمنوم كان (الړصاصة) الأخيرة."

المواجهة الكبرى في المستشفى