الجزرة والخاتم

في صيف بعيد عام 2004 تحت شمس كندية هادئة كانت ماري غرامز امرأة ستينية من مقاطعة ألبرتا تنحني بهدوء فوق أرض مزرعة عائلتها.
لم تكن تعلم أن لحظة واحدة فقط كفيلة بأن تسرق منها شيئا لا يقدر بثمن.
كانت تنقب بين الأعشاب الضارة تغرس يديها في التربة كما اعتادت دون أن تدرك أن شيئا تحت جلد هذا التراب يوشك أن يبتلع.
فجأة توقفت.
نظرت إلى يدها.
تجمدت أنفاسها.
خاتم زواجها لم يعد هناك.
الخاتم الذي لازم إصبعها 47 عاما.
الخاتم الذي شهد ولادة أولادها دموعها صلواتها وكل ما مر بها مع زوجها الذي أحبته.
ظلت تبحث كمن يبحث عن نبضه وسط التراب حفنة حفنة نظرة نظرة دعاء خلف دعاء.
لكن الأرض كانت صامتة لم تفصح عن شيء.
كأنها ابتلعت الذكرى وأقفلت عليها إلى أجل لا يعلمه سواها.
ماري لم تخبر زوجها بشيء.
خاڤت أن تكسر قلبه أو قلبها.
فاشترت خاتما آخر شبيها وضعته في يدها كي لا يشعر بالفقد لكن قلبها ظل يعرف الحقيقة.
مرت الأعوام
ورحل الزوج.
وظل الخاتم ضائعا كما ضاعت أشياء كثيرة منذ رحيله.
لكن ماري رغم كل شيء لم تنس لم تيأس. كانت تشعر داخليا أن الذكرى لم ټدفن بل غابت فقط.
ثم جاء العام 2017.
كانت زوجة ابنها تعمل في المزرعة ذاتها في نفس الرقعة القديمة تقلع الجزر وبين يديها حفنة من الطين والجذور والذكريات.
لكنها توقفت فجأة
شيء ما كان يغلف جزرة ضخمة كأنها ترتدي حلية ذهبية من زمن آخر.
خاتم.
نادت على ماري.
وماري نظرت إليه للحظة واحدة فقط ثم اغرورقت عيناها.
هذا هذا هو. هذا خاتمي. لم يتغير. حتى الخدش الصغير موجود هنا
لم تصدق ما رأت.
هل كانت الجزرة تحفظ الخاتم في أحشائها
هل احتضنته التربة لثلاثة عشر عاما دون أن تبتلعه أو تبليه
أم أن القدر كتب له أن يعود فقط عندما تكون ماري مستعدة
تقول ماري إن اللحظة تلك رغم بساطتها كانت كأن الزمن انعكس.
كأن أحدا أدار ساعة العمر للحظة وقال انظري لم يذهب شيء فقط انتظر.
القصة حقيقية. لكنها تبدو وكأنها خرجت من كتاب أساطير.
الدروس التي تبقى
ما ظننته ضائعا قد لا يكون كذلك بل مختبئا عنك حتى تنضج مشاعرك لاستقباله.
الأشياء العزيزة لا تمحى بل تخبأ.
والخسائر التي نزفنا لها قد تعود إلينا في وقت لا نتوقعه لكننا نكون بحاجة إليها أكثر من أي وقت مضى.
فلا تيأس.
ربما تكون هديتك الآن تحت التراب تنمو بهدوء على شكل جزرة أو أمنية أو حلم قديم.
وما أخذه القدر منك قد يعيده إليك لكن حين تكون مستعدا.
حين يشاء الله.
تمت..